الفشل المستدام.. لماذا ينجح الفساد في إطفاء كهرباء عدن كل صيف؟
تشهد العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، مع حلول كل صيف، انهيارًا متكرراً في خدمة الكهرباء، في أزمة باتت تُختزل لدى السكان بوصفها عنواناً دائماً للفشل الحكومي والفساد السياسي والإداري في المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دولياً.
وتبلغ القدرة الإنتاجية الفعلية لمحطات الكهرباء في عدن نحو 410 ميجاوات، مقابل احتياج يومي يصل إلى 600 ميجاوات، ما يترك عجزاً يتجاوز 190 ميجاوات.
كما يقدر الاستهلاك السنوي من الوقود بنحو 601 مليون لتر، فيما ارتفع الفاقد الكهربائي إلى 44% من إجمالي الطاقة المنتجة خلال عام 2023 مقارنة بـ20% قبل عام 2015، بحسب تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وبيانات تشغيل حكومية.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت ساعات انقطاع التيار في عدن ولحج وأبين وشبوة إلى نحو 12 ساعة يومياً مقابل ساعتي تشغيل، فيما تجاوزت الانقطاعات في بعض المحافظات، خصوصاً الضالع، أكثر من 24 ساعة متواصلة، وسط حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة.
لكن الأزمة، وفق مسؤولين ومصادر محلية ومتابعين لملف الطاقة، لم تعد مرتبطة بعجز فني أو نقص وقود فقط، بل تحولت إلى أحد أكثر ملفات الفساد تعقيداً في اليمن، مع صفقات استئجار محطات كهرباء، وعمولات شراء وقود، وشبكات ابتزاز للمواطنين، وصراع سياسي على عائدات النفط والطاقة.
فساد بمئات الملايين
وكشفت تقارير رقابية وبيانات حكومية عن اختلالات واسعة في مشاريع الكهرباء بعدن، شملت إعادة تأهيل محطة الحسوة الحرارية، وصفقة استئجار محطة كهرباء عائمة، وتجاوزات في مناقصات الوقود وغيرها.
وذكرت التقارير أن مشروع إعادة تأهيل محطة الحسوة أُبرم مع شركة أوكرانية تدعى "بد سيرفس" بقيمة 31.1 مليون دولار عبر التعاقد المباشر دون مناقصة، رغم عدم امتلاك الشركة سجلاً معروفاً في قطاع الطاقة أو تقديمها ضمانات تنفيذ، مقابل حصولها على دفعات مقدمة تجاوزت ثلث قيمة العقد.
وفي تقرير صدر عام 2018، كشف الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن مخالفات مالية في المشروع ذاته، شملت تحويل مخصصات مشروع الغاز ومنظومة التوزيع إلى شراء توربينات وغلايات عبر التعاقد المباشر، إضافة إلى منح الشركة قطع غيار بقيمة 378 مليون ريال، وصرف مستحقات بنحو 3 ملايين يورو دون اقتطاع الضمانات التعاقدية.
وأظهرت الوثائق أن أعمال التأهيل تضمنت تركيب توربين مستخدم بدلاً من آخر جديد، ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية للمحطة بنسبة 32% عن المعدلات المخططة، إلى جانب ارتفاع استهلاك الوقود وخسائر تشغيلية سنوية نتيجة تدني الكفاءة الفنية.
كما شملت التجاوزات صفقة استئجار سفينة كهرباء عائمة بقدرة 100 ميجاوات لصالح شركة "برايزم إنتر برايس"، التي أُقرت عام 2021 رغم اعتراضات من وزارة المالية.
ووفق التقارير، أُبرمت الصفقة دون مناقصة أو ضمانات بنكية، فيما تسبب تأخر تشغيل السفينة في تمديد عقود محطات الديزل، ما حمّل الدولة أعباء تجاوزت 100 مليون دولار سنوياً.
ورصدت تقارير الرقابة مخالفات في مناقصات الوقود بعد إنفاق نحو 285 مليون دولار خلال عام 2022، وسط اتهامات بتضخم الأسعار وضعف الرقابة.
كما قدّم أعضاء لجنة مناقصات الوقود استقالة جماعية في يونيو 2023 احتجاجاً على ما وصفوها بعرقلة عمل اللجنة واللجوء إلى الشراء الطارئ بالمخالفة للقانون.
ورغم تشكيل لجنة جديدة لمناقصات الوقود مطلع 2024 وتسجيل وفورات مالية، لم ينعكس ذلك على تحسن الخدمة، إذ استمرت الانقطاعات لساعات طويلة يومياً في أحياء عدة بعدن.
وأرجعت إفادات حقوقية ورقابية استمرار الأزمة إلى غياب الإرادة السياسية في مكافحة الفساد، ما أضعف دور المؤسسات الرقابية وحدّ من الشفافية والمنافسة.
بيع المحولات للمواطنين
لكن الفساد، وفق إفادات سكان ومصادر محلية، لا يقتصر على العقود الكبرى، بل يمتد إلى تفاصيل الخدمة اليومية داخل الأحياء السكنية.
ففي مناطق عدة بمدينة عدن، بينها حي الطيارين بالممدارة في مديرية الشيخ عثمان وحي اللحوم الشرقية بمديرية دار سعد، اضطر السكان إلى شراء محولات كهربائية وكابلات وأعمدة على نفقتهم الخاصة، رغم أنها من مسؤوليات المؤسسة الحكومية.
وقال سكان محليون لوكالة "خبر"، إن مسؤولين في مؤسسة الكهرباء يلجؤون، عند احتراق محول أو تعطله، إلى التنسيق مع شخصيات اجتماعية لإقناع الأهالي بالمساهمة في تكاليف الاستبدال التي تصل إلى عشرات الملايين، مقابل وعود بتوفير جزء من المعدات من قبل الدولة.
وبحسب إفادات متطابقة، تُفرض على كل منزل مبالغ تصل إلى 500 ريال سعودي تُجمع بصورة غير رسمية، فيما يتحدث السكان عن تقاسم تلك الأموال بين موظفين ووسطاء محليين.
وفي الأحياء الجديدة التي تشهد ازدهاراً معمارياً مما تسبب بعدم قدرة المحولات القديمة على مواجهة الأحمال الزائدة، يُجبر المواطنون على شراء الشبكات والمحولات والكابلات من الأسواق التجارية، يقوم على إثرها الموردون، بتخصيص نسبة مالية للمسؤولين كعمولات، وفق المصادر.
إيرادات ضخمة.. فساد مزدوج
ويتساءل السكان عن مصير الإيرادات الضخمة التي تحصلها مؤسسة الكهرباء منذ عام 2015، سواء من فواتير الاستهلاك أو رسوم العدادات أو غرامات الربط العشوائي، التي تصل ـ بحسب مواطنين ـ إلى نحو 80 ألف ريال يمني على المنزل الواحد.
وتكشف مصادر مطلعة لوكالة "خبر"، عن اختلالات مالية وإدارية داخل المؤسسة، بينها استمرار صرف رواتب وحوافز لموظفين لا يلتزمون بالدوام الرسمي، بالتوازي مع توظيف أعداد جديدة تُصرف رواتبهم من إيرادات المؤسسة.
كما يتحدث مواطنون عن ممارسات ابتزاز تقوم بها بعض فرق الطوارئ والصيانة، بينها مطالبة الأهالي بدفع تكاليف الوقود ومكافآت الفرق الفنية مقابل النزول لإصلاح الأعطال، رغم أن تلك النفقات مغطاة ضمن الميزانية التشغيلية الرسمية.
وفي حالات أخرى، يُجبر المواطنون على شراء أدوات إصلاح مثل الوصلات المعدنية والكابلات من الأسواق التجارية، أو دفع مبالغ نقدية للحصول عليها عبر وسطاء تابعين للمؤسسة، دون أي سندات رسمية.
ويرى ناشطون وخبراء أن هذه الممارسات تكشف عن "فساد مزدوج"، يتمثل أولًا في تضخيم مشتريات المؤسسة ضمن مناقصات مشبوهة، وثانياً في إعادة بيع الأدوات نفسها للمواطنين خارج الأطر القانونية.
اقتصاد موازٍ للحرب
ظل ملف الكهرباء في عدن، طوال سنوات الحرب، أحد أكبر أبواب الإنفاق الحكومي إثارةً للجدل، خصوصاً عبر عقود استئجار الطاقة المشتراة التي أُبرمت مع شركات محلية بكلفة مرتفعة.
وبحسب تقارير رقابية ولجان برلمانية، أبرمت الحكومات المتعاقبة عقود استئجار طاقة بكلف تفوق إنشاء محطات دائمة، وسط اتهامات بوجود فساد وعمولات في التعاقدات وشراء الوقود والصيانة.
وتشير بيانات حكومية وتقارير اقتصادية إلى أن قطاع الكهرباء استنزف مئات الملايين من الدولارات خلال السنوات الماضية دون تحقيق استقرار فعلي للخدمة، فيما خرجت محطات عدة عن الخدمة بسبب غياب الصيانة ونقص الوقود وتعثر سداد مستحقات الشركات المشغلة.
ويقول اقتصاديون إن نموذج "الطاقة المشتراة" تحول في اليمن إلى "اقتصاد موازٍ للحرب"، تستفيد منه شبكات نفوذ سياسية وتجارية عبر عقود طويلة الأجل تُبرم في ظروف طارئة وبغياب الشفافية والمنافسة.
الكهرباء والنفط والسياسة
في ديسمبر 2025، تصاعد التوتر العسكري في المحافظات الشرقية بعد سيطرة قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة، قبل تدخل السعودية، بطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لإخراجها من المحافظات النفطية.
وكانت قد حملت الحكومة اليمنية والسعودية، المجلس الانتقالي الجنوبي مسؤولية تفاقم الأزمات الخدمية والاقتصادية في المناطق المحررة، وعملت عبر عدد من قياداته على حله ببيان رسمي أُعلن من الرياض.
وبعد أيام من ذلك التدخل، بدأت ناقلات النفط الخام بالتدفق من حضرموت إلى عدن، ما انعكس سريعاً على ساعات تشغيل الكهرباء، حيث تراجعت الانقطاعات من نحو 12 ساعة إلى ساعتين فقط مقابل ساعتي تشغيل، بالتزامن مع استئناف صرف المرتبات وإطلاق وعود حكومية بتحسين الخدمات، غير أن هذا التحسن لم يدم طويلاً.
فبعد نحو شهرين، طالب عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت اللواء سالم الخنبشي بمنح المحافظة 20% من عائدات النفط المنتج، أو تخصيص 20 دولاراً عن كل برميل يُنقل إلى خارجها، بما في ذلك النفط المخصص لمحطات كهرباء عدن، مبرراً ذلك بأنها ترتيبات كانت قائمة قبل الحرب التي اندلعت في 2015 إثر انقلاب مليشيا الحوثي والسيطرة على العاصمة صنعاء وبدء التمدد نحو بقية المحافظات اليمنية.
ويرى مراقبون أن تلك المطالب أعادت ملف الكهرباء إلى دائرة التجاذبات السياسية والنفوذ الاقتصادي، مع عودة الأزمة تدريجياً إلى الواجهة بالتزامن مع دخول فصل الصيف الحالي، وهو ما يضع الحكومة اليمنية والسعودية التي تقود التحالف في اليمن في اختبار صعب.
صيف يتكرر بلا حلول
ورغم الوعود الحكومية المتكررة بإصلاح قطاع الكهرباء، لا تزال عدن وبقية المحافظات المحررة تواجه كل صيف السيناريو ذاته: انهيار في الخدمة، احتجاجات شعبية، وتبادل للاتهامات بين القوى السياسية، يعقبه إطلاق وعود جديدة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ويقول مراقبون إن معالجة الأزمة تتطلب تفكيك شبكات المصالح المرتبطة بقطاع الطاقة، وفتح تحقيقات في عقود الاستئجار المثيرة للجدل، وإخضاع الإيرادات والإنفاق لرقابة شفافة، بالتوازي مع إنشاء محطات توليد دائمة تعمل بالغاز والطاقة المتجددة.
لكن في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو الكهرباء في عدن أكثر من كونها خدمة عامة، إذ تحولت إلى مرآة للصراع السياسي والفساد الذي يلتهم مؤسسات الدولة، ويترك ملايين السكان في مواجهة صيف طويل من الظلام.