خفايا الصمت الاستراتيجي.. كيف أخرج ترامب الحوثيين من دائرة النار في ذروة الحرب على إيران؟

بدأت ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب تأخذ منحىً مغايراً تماماً للتوقعات التي سبقت ولايته الثانية، حيث كان المحللون يترقبون صداماً شاملاً يحرق الأخضر واليابس في كافة مناطق نفوذ إيران. إلا أن ما حدث على أرض الواقع كان تجسيداً لمبدأ فن الصفقات  الذي يعتلي أولويات ترامب.

فبينما كانت القاذفات الأمريكية والمنصات الصاروخية الإسرائيلية تصب حممها فوق المنشآت الحيوية في العمق الإيراني، ساد صمت غريب وجبهة باردة في جنوب شبه الجزيرة العربية.

هذا الهدوء لم يكن نتاج صدفة أو عجز عسكري، بل كان قراراً سياسياً مدروساً بعناية فائقة، نبع من قناعة ترامب بأن الانخراط في حروب الأبد في اليمن هو استنزاف لا طائل منه للموارد الأمريكية التي يجب أن تُوجه حصراً نحو الرأس في طهران أو تُوفر لدعم الاقتصاد الداخلي.

إن المتتبع لمسار الأحداث يدرك أن ترامب نجح في فصل المسارات، حيث عزل الملف الحوثي عن الصراع الإقليمي المشتعل، معتبراً أن المليشيا في اليمن يمكن تحييدها بالدبلوماسية الخشنة والاتفاقات السرية، بدلاً من الدخول في متاهات الجبال اليمنية التي لم تجلب لأسلافه سوى الصداع السياسي والتكلفة المالية الباهظة.

اتفاق مايو وسر التهدئة المفاجئة

لفهم هذا الجمود العسكري تجاه الحوثيين، يجب العودة إلى نقطة التحول المركزية التي حدثت في مايو من عام ألفين وخمسة وعشرين، حينما فاجأ ترامب الدوائر السياسية بإعلان وقف العمليات العسكرية ضد مليشيا الحوثي.

كان هذا القرار تتويجاً لمفاوضات خلف الكواليس قادتها سلطنة عمان، حيث تم التوصل إلى صيغة الأمن مقابل الصمت.

وبموجب هذا التفاهم، حصلت واشنطن على تعهدات حوثية بوقف استهداف الملاحة الدولية والسفن الحربية الأمريكية، مقابل وقف الغارات الجوية ورفع جزئي لبعض القيود التي كانت تخنق الموانئ الخاضعة لسيطرتهم.

هذا الاتفاق وفر لترامب مخرجاً لائقاً أمام ناخبيه، حيث استطاع الادعاء بأنه أوقف نزيف الأموال في البحر الأحمر دون الحاجة لإرسال قوات برية، وفي الوقت ذاته، ضمن عدم فتح جبهة استنزاف جانبية تشغل جيشه عن المهمة الأساسية وهي تقويض النظام في طهران.

لقد أدرك الحوثيون من جانبهم أن ترامب لا يمزح في استخدام القوة المفرطة إذا ما تم تجاوز الخطوط الحمراء، ففضلوا الحفاظ على مكاسبهم الداخلية والنجاة بكيانهم من مصير مشابه لما يحل بوكلاء إيران الآخرين في المنطقة.

تكتيك ضرب الرأس وتجاهل الأطراف

يرتكز الفكر العسكري لإدارة ترامب في تعاملها مع الحرب الحالية على نظرية تفكيك المحاور من خلال استهداف المركز لا الهوامش.

ففي العقيدة القتالية التي يتبناها ترامب، يعتبر الحوثيون مجرد أداة بيد المرشد الأعلى، وبما أن الحرب الشاملة قد اندلعت فعلاً ضد إيران، فإن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وقطع خطوط الإمداد والتمويل سيؤدي بالضرورة إلى جفاف منابع القوة لدى الحوثيين دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة في اليمن.

هذا النوع من الصبر الاستراتيجي يهدف إلى جعل مليشيا الحوثي تسقط بالتقادم أو تضطر محاولةً للتحول وتظهر ككيان سياسي محلي يبحث عن تسوية بعد فقدان الغطاء الإقليمي.

كما أن الصمت الدولي والإقليمي تجاه الحوثيين في هذه المرحلة وبحسب ما يراه سياسيون يعكس رغبة القوى الكبرى في عدم توسيع رقعة الحرب، وضمان بقاء ممرات الطاقة بعيدة عن أي تصعيد قد يرفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي، وهو أمر يضعه ترامب في مقدمة حساباته السياسية.

البراغماتية في مواجهة الأيديولوجيا

إن ما نراه اليوم هو صراع بين براغماتية التاجر التي يمثلها ترامب وأيديولوجيا المقاومة المليشاوية التي يمثلها الحوثيون، حيث استطاع الطرف الأول فرض قواعد اشتباك جديدة تقوم على المصالح المتبادلة المؤقتة.

ترامب لا يرى في الحوثيين تهديداً وجودياً للولايات المتحدة طالما أن مصالح واشنطن الحيوية في الملاحة مؤمنة، وهو مستعد للتغاضي عن تمددهم الداخلي أو طبيعة نظامهم السياسي ما داموا لا يعترضون طريقه في تصفية الحسابات مع خصمه اللدود في طهران.

ومن جهة أخرى، يبدو أن القوى الإقليمية قد استوعبت هذا الدرس، فآثرت الصمت والانتظار لرؤية ما ستسفر عنه الضربة الكبرى لإيران، مفضلة عدم الخوض مجدداً في حرب جديدة تستهدف الحوثيين قد لا تجد دعماً عسكرياً أمريكياً مباشراً في ظل سياسة أمريكا أولاً.

وهكذا، يظل الحوثيون في منطقة الظل الاستراتيجي ليس حباً فيهم، بل لأنهم أصبحوا ورقة مؤجلة في أجندة دولية مزدحمة، ينتظر الجميع نضوج ثمار الحرب الكبرى في طهران لتقرير مصير الوكلاء في المنطقة بأكملها.

مستقبل التوازنات في المنطقة بعد الصمت

في الختام، يمكن القول إن غض الطرف عن الحوثيين ليس ضعفاً ولا نسياناً، بل هو جزء من ترتيب أولويات القوة العظمى التي قررت خوض معاركها بذكاء يقلل التكاليف ويزيد المكاسب.

إن بقاء الحوثيين خارج دائرة الاستهداف في الوقت الحالي يمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه يضعهم أيضاً أمام خيارات صعبة في المستقبل؛ فإما التحول إلى لاعب محلي يقبل بقواعد اللعبة الدولية الجديدة، أو مواجهة العزلة التامة بمجرد انتهاء الملف الإيراني.

إن التاريخ سيسجل أن ترامب استطاع عبر مزيج من التهديد العسكري المفرط والاتفاقات البراغماتية أن يحيد إحدى الجبهات في الشرق الأوسط، متفرغاً لما يراها المعركة التاريخية التي ستحدد وجه المنطقة لعقود قادمة.