"دولة المشرفين".. قراءة في تحولات بنية السلطة وتآكل المؤسسات في اليمن
لم يكن التحول الذي شهده اليمن منذ أحداث العام 2011 مجرد أزمة سياسية عابرة أو انتقالًا مضطربًا للسلطة، بل مثّل بداية انهيار تدريجي لبنية الدولة التقليدية ومؤسساتها، وفتح الباب أمام صعود مراكز قوى جديدة أعادت تشكيل مفهوم السلطة والنفوذ في البلاد.
ومع سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، ومعظم المحافظات اليمنية لاحقًا، دخل اليمن مرحلة مختلفة تجاوزت حدود الانقلاب السياسي والعسكري، لتطول جوهر الدولة نفسها، حيث تراجعت المؤسسات الرسمية لصالح منظومة موازية يقودها المشرفون الحوثيون بوصفهم السلطة الفعلية المتحكمة بالقرار السياسي والأمني والإداري والاقتصادي.
وخلال سنوات الحرب، لم يعد اليمنيون يتعاملون مع الدولة بصيغتها المؤسسية المعروفة، بل وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد تتحكم فيه شبكات نفوذ مرتبطة بالمليشيا، تمتلك صلاحيات واسعة تتجاوز أحيانًا سلطات الوزراء والمحافظين ومديري المؤسسات الرسمية أنفسهم.
هذا التحول لم يكن مجرد نتيجة فرضتها ظروف الحرب، بل أصبح نموذج حكم متكاملاً أعاد رسم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وأنتج بنية قائمة على الولاء والتعبئة والرقابة والسيطرة المباشرة، في مقابل تراجع غير مسبوق لمفهوم الدولة والقانون والمؤسسة.
المشرف.. الحاكم الفعلي للمؤسسات والمناطق
خلال السنوات الماضية، برز مصطلح “المشرف” بوصفه أحد أكثر المفاهيم حضورًا في الحياة اليومية داخل مناطق سيطرة الحوثيين. ففي كل محافظة ومديرية وقرية ومؤسسة، يوجد شخص أو مجموعة أشخاص يمتلكون سلطة فعلية على القرارات والإجراءات، حتى وإن لم يكونوا جزءًا رسميًا من الهيكل الإداري للدولة.
وبمرور الوقت، تحولت هذه المنظومة إلى شبكة نفوذ واسعة تتداخل فيها الصلاحيات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بحيث أصبح المشرف الحوثي المرجعية الأساسية في كافة القضايا، من التعيينات الإدارية والتحركات الأمنية إلى إدارة الموارد والأنشطة المجتمعية.
ويرى مراقبون أن المليشيا اعتمدت على هذه المنظومة لضمان السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة والمجتمع، عبر خلق بنية موازية أكثر ارتباطًا بالقيادة الحوثية وأقل خضوعًا للقوانين والإجراءات التقليدية.
وفي كثير من الأحيان، أصبح المسؤول الحكومي يؤدي دورًا شكليًا، بينما تنتقل السلطة الحقيقية إلى المشرف الذي يمتلك النفوذ والقدرة على إصدار التوجيهات واتخاذ القرارات وفرضها على الأرض.
هذا الواقع خلق حالة من الارتباك داخل المؤسسات، حيث بات الموظفون والمسؤولون يعيشون بين سلطتين؛ سلطة القانون والإجراءات الرسمية من جهة، وسلطة المشرف والنفوذ الفعلي من جهة أخرى، وهي المعادلة التي انتهت غالبًا لصالح القوة الجديدة التي فرضتها الحرب.
الحرب بوصفها بيئة مثالية لتفكيك الدولة
لم يكن صعود منظومة المشرفين منفصلًا عن طبيعة الحرب وتعقيداتها، إذ وفرت سنوات الانقلاب والحرب الطويلة بيئة مناسبة لإعادة تشكيل بنية السلطة بعيدًا عن النموذج المؤسسي التقليدي للدولة.
فمع انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع قدرة الحكومة المركزية على إدارة البلاد، ظهرت المليشيات المسلحة بوصفها القوى الأكثر قدرة على فرض السيطرة الميدانية، وهو ما سمح للحوثيين ببناء منظومة نفوذ خاصة بهم داخل المناطق التي سيطروا عليها.
ومع الوقت، لم تعد هذه المنظومة مرتبطة فقط بإدارة الحرب أو الجبهات العسكرية، بل توسعت لتشمل مختلف جوانب الحياة العامة، من التعليم والإعلام إلى الاقتصاد والقضاء والعمل الإنساني.
ويرى باحثون أن مليشيا الحوثي تعاملت مع مؤسسات الدولة باعتبارها أدوات يمكن إعادة توظيفها لخدمة مشروعها السياسي والأيديولوجي، وليس باعتبارها مؤسسات محايدة قائمة على القانون والإدارة المهنية.
كما ساعد استمرار الانقلاب والحرب في ترسيخ هذا النموذج، حيث أصبحت الأولوية مرتبطة بالحفاظ على السيطرة الأمنية والسياسية، حتى وإن جاء ذلك على حساب مؤسسات الدولة التقليدية.
السلطة الأمنية وتراجع القانون
واحدة من أبرز نتائج هذا التحول تمثلت في صعود القبضة الأمنية الحوثية بوصفها الركيزة الأساسية لإدارة المجتمع. فخلال سنوات الحرب، توسعت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للحوثيين بصورة كبيرة، وأصبحت تمتلك نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة وخارجها.
وفي ظل هذا الواقع، تراجع دور القضاء والقانون والإجراءات الرسمية، بينما تصاعد حضور السلطة الأمنية بوصفها المرجعية الفعلية في كافة القضايا.
وبات المواطنون والموظفون والتجار وحتى المشايخ القبليين والشخصيات الاجتماعية يعيشون تحت تأثير معادلة جديدة تقوم على النفوذ والولاء أكثر من اعتمادها على النصوص القانونية أو الإجراءات المؤسسية.
كما ساهمت هذه البيئة في خلق حالة عامة من الخوف والرقابة الذاتية، حيث يتجنب كثير من الناس التعبير العلني عن آرائهم أو انتقاد السياسات القائمة خشية التعرض للمساءلة أو الاستهداف.
وفي الوقت ذاته، أدى تداخل السلطات الأمنية والإدارية إلى إضعاف مؤسسات الدولة التقليدية، وتحويلها إلى كيانات محدودة التأثير في مقابل تصاعد نفوذ المنظومة الموازية.
الاقتصاد تحت سلطة النفوذ
التحولات التي شهدتها السلطة في اليمن لم تقتصر على الجانب السياسي والأمني، بل امتدت إلى الاقتصاد الذي أصبح بدوره خاضعًا لشبكات النفوذ الجديدة. ففي ظل الانقسام المالي والإداري، برزت منظومة اقتصادية قائمة على الجبايات والإتاوات والتحكم بالأسواق والموارد، بينما تراجعت قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وفق الأطر المؤسسية المعروفة.
وخلال سنوات الحرب، أصبحت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي مرتبطة بمنظومة النفوذ الحوثية، سواء عبر التحكم بحركة التجارة أو فرض الرسوم أو إدارة المساعدات الإنسانية أو السيطرة على القطاعات الحيوية.
ويرى اقتصاديون أن الحرب أفرزت طبقة جديدة من المستفيدين الذين راكموا النفوذ والثروة من خلال اقتصاد الحرب، في وقت يعاني فيه غالبية اليمنيين من الفقر والانهيار المعيشي.
كما أدى هذا الواقع إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص والتجار، الذين وجدوا أنفسهم أمام بيئة اقتصادية معقدة وغير مستقرة، تتداخل فيها القرارات الرسمية مع نفوذ المشرفين وشبكات المصالح المرتبطة بهم.
التعليم والإعلام وإعادة تشكيل الوعي
لم تكتف المليشيا بإعادة تشكيل بنية السلطة السياسية والإدارية، بل اتجهت أيضًا نحو السيطرة على أدوات تشكيل الوعي داخل المجتمع، وفي مقدمتها التعليم والإعلام.
ففي المدارس والجامعات، جرى إدخال تغييرات واسعة على المناهج والأنشطة التعليمية، بما يتماشى مع الخطاب الفكري والسياسي للمليشيا، بينما تصاعدت حملات التعبئة داخل المؤسسات التعليمية.
ويرى مراقبون أن السيطرة على التعليم تمثل جزءًا أساسيًا من مشروع إعادة تشكيل المجتمع، عبر إنتاج أجيال جديدة تحمل تصورات مختلفة عن الدولة والهوية الوطنية والسلطة.
أما في المجال الإعلامي، فقد شهدت السنوات الماضية تضييقًا واسعًا على وسائل الإعلام المستقلة والمعارضة، مقابل توسيع حضور الإعلام التابع للمليشيا بوصفه أداة للتعبئة السياسية والأيديولوجية.
ومع تراجع مساحة التعددية الإعلامية، باتت الرواية الرسمية تهيمن بصورة كبيرة على المجال العام داخل مناطق سيطرة الحوثيين، في وقت يواجه فيه الصحفيون والناشطون تحديات أمنية ومهنية متزايدة.
المجتمع بين التكيف والخوف
ومع استمرار هذا الواقع لسنوات طويلة، بدأ المجتمع اليمني يدخل تدريجيًا في حالة من التكيف القسري مع بنية السلطة الجديدة، حيث أصبح الناس يتعاملون مع المشرفين ومنظومة النفوذ باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية. لكن هذا التكيف لا يعني بالضرورة القبول الكامل، بقدر ما يعكس حالة من الإنهاك والخوف والرغبة في تجنب الصدام المباشر مع السلطة القائمة.
ويشير مختصون اجتماعيون إلى أن استمرار هيمنة السلطة غير المؤسسية لفترات طويلة يؤدي إلى تغييرات عميقة في طبيعة المجتمع، حيث تتراجع الثقة بالقانون والدولة، ويزداد الاعتماد على شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية.
كما تؤدي هذه البيئة إلى إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية، لصالح أنماط جديدة من الولاء والانتماء ترتبط بالقوة والنفوذ السياسي.
وفي المقابل، يواجه الشباب اليمني حالة من الإحباط وعدم اليقين، في ظل غياب فرص العمل وتراجع مؤسسات الدولة واستمرار الحرب والانقسام السياسي.
المرأة والفضاء العام في ظل التحولات الجديدة
النساء اليمنيات كنّ أيضًا ضمن الفئات الأكثر تأثرًا بالتحولات التي شهدتها بنية السلطة خلال سنوات الحرب. فمع تصاعد الطابع الأمني والأيديولوجي للحكم، شهد الفضاء العام تغييرات واسعة أثرت على مشاركة النساء في العمل العام والإعلام والنشاط المجتمعي.
وفي المناطق، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي فُرضت قيود اجتماعية وإدارية جديدة، بينما واجهت ناشطات وإعلاميات حملات تضييق ومراقبة، الأمر الذي ساهم في تقليص حضور المرأة داخل المجال العام مقارنة بمراحل سابقة.
ورغم ذلك، استمرت نساء كثيرات في أداء أدوار مهمة داخل المجتمع، سواء في المجال الإنساني أو التعليمي أو الإعلامي، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة المدنية داخل بيئة مضطربة.
من الجمهورية إلى سلطة المليشيا
يرى كثير من اليمنيين أن التحولات التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب لم تقتصر على تغيير الحكومات أو موازين القوى، بل مست جوهر فكرة الدولة الجمهورية نفسها.
ففي الوقت الذي قامت فيه الجمهورية اليمنية تاريخيًا على مفهوم الدولة والمؤسسات والقانون، جاءت احداث 2011 وما تلاها من الانقلاب الحوثي ودخول البلاد في الحرب دفعت اليمن نحو نماذج حكم قائمة على الجماعات المسلحة والسلطات الموازية.
وفي هذا السياق، تبدو منظومة المشرفين انعكاسًا لتحول أعمق في طبيعة السلطة، حيث لم تعد الشرعية مرتبطة بالمؤسسة أو القانون بقدر ارتباطها بالقوة والنفوذ والقدرة على فرض السيطرة.
ويرى محللون أن استمرار هذا الواقع لفترة طويلة يهدد بتكريس انقسامات بنيوية داخل الدولة والمجتمع، قد يصعب تجاوزها حتى بعد انتهاء الحرب.
مستقبل الدولة اليمنية بين التفكك وإعادة البناء
بعد أكثر من عقد من الانقلاب والصراع والحرب، يقف اليمن اليوم أمام تحديات هائلة تتعلق بمستقبل الدولة ومؤسساتها. فإعادة بناء اليمن لن تتوقف عند إنهاء الحرب عسكريًا أو التوصل إلى تسوية سياسية، بل ستتطلب معالجة عميقة للتحولات التي أصابت بنية السلطة والمجتمع خلال سنوات الحرب.
ويؤكد مراقبون أن استعادة الدولة تتطلب إعادة الاعتبار للمؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية، وإنهاء هيمنة السلطات الموازية وشبكات النفوذ التي تشكلت خلال الحرب.
لكن هذه المهمة تبدو شديدة التعقيد في ظل استمرار الانقلاب الحوثي وكذا الانقسام السياسي والعسكري، وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، فضلًا عن اتساع اقتصاد الحرب وتراجع الثقة العامة.
كما أن المجتمع اليمني نفسه بات يحمل آثارًا عميقة لهذه المرحلة، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو السياسي، الأمر الذي يجعل عملية التعافي وإعادة البناء طويلة ومليئة بالتحديات.
اليمنيون بين واقع القوة وحلم الدولة
ورغم كل التحولات والانقسامات، ما يزال كثير من اليمنيين يتمسكون بفكرة الدولة بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار والعدالة وإنهاء الفوضى.
لكن بين هذا الحلم والواقع الحالي تقف سنوات طويلة من الحرب والانهيار وإعادة تشكيل السلطة، حيث أصبح اليمن يعيش داخل معادلة معقدة تتداخل فيها القوة المسلحة بالنفوذ السياسي والأمني والاقتصادي.
وفي بلد أنهكته الصراعات، تبدو استعادة الدولة أكثر من مجرد مشروع سياسي؛ إنها معركة لاستعادة معنى القانون والمؤسسة والمواطنة بعد سنوات من هيمنة الجماعات المسلحة والسلطات الموازية.
ويبقى السؤال الذي يواجه اليمنيين اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل يمكن إعادة بناء دولة حقيقية بعد سنوات طويلة من تفكك السلطة وصعود المشرفين على أنقاض المؤسسات؟