مفارقة الخريف اليمني: سبتمبر.. بين وهج الولادة ونكوص السلالة
حين يحل سبتمبر في اليمن، لا يأتي مجرد شهر في تقويم العابرين، بل يتجلّى كـكائن من ضوء ونار، يختزل في طياته سفر التكوين اليمني المعاصر، ويتنازعه في الوعي الجمعي نقيضان؛ فجر انبلج في السادس والعشرين منه عام 1962، وظلام خيّم في الحادي والعشرين منه عام 2014.
إنه خريف الفصول، لكنه في أدبيات السياسة اليمنية هو ربيع الفكرة وجدلية البقاء.
في 26 سبتمبر، لم يطرد اليمنيون مجرد حاكم طاغية، بل دكّوا جدار عزلة تاريخية ضربتها الإمامة الكهنوتية حول شعبٍ بأكمله، محاولة حبسه في أقبية القرون الوسطى.
كان ذلك الفجر إعلاناً بعبقرية الإنسان اليمني الذي نفض غبار الفقر، والجهل، والمنظومة السلالية التي ادّعت الحق الإلهي لتستعبد الضمائر والأجساد.
كان سبتمبر 62 جسراً عبر فوقه اليمن من أسطورة المتوكلية المحنّطة إلى فضاء الهوية الجمهورية، والكرامة الإنسانية، والمواطنة المتساوية.
لكن النكوص والتاريخ لا يمشيان في خطوط مستقيمة دائماً؛ ففي 21 سبتمبر 2014، انبعثت الإمامة من مرقدها.
تسللت المليشيا الحوثية عبر شقوق التوافق الوطني، مرتديةً مسوح المظلومية وشعارات الخديعة، لتعيد إنتاج ذات الكابوس السلالي البغيض، ولكن بأدوات دمار حديثة وتبعيات عابرة للحدود.
لم يكن ذلك التاريخ انقلاباً عسكرياً على سلطة، بل كان انقلاباً على المستقبل، ومحاولة جراحية مشوهة لاستئصال جينات الجمهورية واستبدالها بنظام الولاية الذي يفرز المجتمع إلى أسيادٍ وعبيد، ويحيل المدارس إلى معسكرات تعبئة، والبلاد إلى حقل ألغام فسيح.
واليوم، ونحن نعيش تفاصيل هذا الشهر، يدرك اليمنيون بقوة وقناعة راسخة الخيار، أن سبتمبر لم يعد مجرد ذكرى للاحتفاء أو النحيب، بل غدا معركة وجودية ومسار ضرورة حتمية.
إن المقارنة السردية التقليدية بين التواريخ لم تعد ترفاً؛ فالواقع يفرض على الورثة الشرعيين لثوار 62 أن يستأنفوا الكفاح.
ليس أمام اليمنيين من سبيل لاستعادة دولتهم المختطفة، وكرامتهم المنهوبة، وهويتهم السبئية الأصيلة إلا بمواجهة هذا التخلف الإمامي الجديد بـذات الروح التي هدمت حصون دار البشائر في الستينيات.
إن الحرب الراهنة، في عمقها الفلسفي والوطني، ليست صراعاً على جغرافيا أو تقاسم سلطة فحسب، بل هي مبارزة مصيرية بين الدولة والمليشيا، بين قيم العصر وأغلال الماضي، بين يمن يتسع لجميع أبنائه، وعصابة سلالية تريد التهام الحاضر وتلغيم المستقبل.
سيبقى سبتمبر هو البوصلة والرهان، فمن وهج 26 سبتمبر يستمد المدّ الجمهوري شرعيته الأخلاقية والتاريخية، وفي بشاعة 21 سبتمبر يجد اليمنيون الدافع الأكبر لإنهاء الكابوس، والمضي قدماً نحو فجر جديد لا مكان فيه للكهنوت.