الشرارة القادمة.. ثلاثة سيناريوهات قد تدفع الجيش التركي لعبور الحدود الإيرانية

كشف تقرير حديث نشرته مجلة "ذا ناشيونال انترست" تحت عنوان "ما هي الخطوط الحمراء لتركيا في الصراع الإيراني؟" (ترجمته إلى العربية وكالة خبر) عن الأسباب التي تدفع تركيا إلى تجنب الانخراط المباشر في الحرب الجارية مع إيران، رغم تصاعد التهديدات الأمنية، مشيراً إلى أن الحسابات السياسية الداخلية، وفي مقدمتها الانتخابات المقبلة، تلعب دوراً حاسماً في تحديد موقف أنقرة.

ووفق التقرير الذي أعده  الباحث البارز في الشؤون التركية لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) في واشنطن، سنان جيدي، فإن القيادة التركية تواجه ضغوطًا متزايدة بعد رصد صواريخ إيرانية اخترقت المجال الجوي للبلاد خلال الأسابيع الماضية، قبل أن تعترضها أنظمة الدفاع الجوي التابعة للحلف العسكري الغربي. ويضع هذا التطور أنقرة أمام تحدٍ مزدوج يتعلق بالحفاظ على أمنها القومي وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

صواريخ عابرة

وأفاد التقرير أن صاروخين إيرانيين دخلا الأجواء التركية خلال مارس، أحدهما فوق مدينة غازي عنتاب جنوب شرقي البلاد، ما أثار ردود فعل غاضبة داخل الحلف العسكري، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار استهداف مواقع استراتيجية داخل تركيا.

وتشير التقديرات إلى أن هذه الهجمات تمثل اختباراً مباشراً لحدود الردع التركي، وقد تدفع أنقرة إلى إعادة تقييم سياستها القائمة على تجنب التصعيد.

رغم ذلك، تؤكد المواقف الرسمية أن تركيا لا تزال تسعى للبقاء خارج دائرة الحرب. فقد حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من استمرار الهجمات، داعياً طهران إلى تجنب “الإصرار على الخطأ”، فيما شدد وزير الخارجية على ضرورة وقف استهداف الأراضي التركية.

لكن التقرير يرى أن هذا الموقف يعكس توازناً دقيقاً بين الردع والاحتواء، في ظل إدراك أن أي تصعيد عسكري قد يحمل تداعيات سياسية داخلية.

ويشير التقرير إلى أن الهدف المحتمل للهجمات الإيرانية يتمثل في قاعدة إنجرليك الجوية جنوب تركيا، وهي منشأة عسكرية محورية تستخدم لأغراض لوجستية وعملياتية، وتستضيف قوات من الحلف العسكري الغربي.

وتُعد القاعدة نقطة ارتكاز رئيسية للعمليات الجوية في المنطقة، ما يجعلها هدفاً عالي القيمة في حال تصاعد المواجهة، وهو ما قد يؤدي إلى ردود جماعية من دول الحلف.

ورغم امتلاك تركيا قدرات عسكرية متقدمة، تشمل أسطولاً كبيراً من الطائرات المقاتلة وطائرات مسيّرة محلية، إلا أن التقرير يؤكد أن قرار استخدامها يظل مرتبطاً بموقف الرأي العام الداخلي.

ومع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة، يركّز أردوغان على الحفاظ على الاستقرار السياسي، ما يحدّ من خياراته العسكرية، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات من المعارضة.

سيناريوهات التصعيد المحتمل

أشار التقرير إلى ثلاث سيناريوهات رئيسية قد تدفع تركيا إلى رد عسكري والانخراط جزئياً في الحرب مع إيران.

أولها، تنفيذ الحرس الثوري الإيراني هجوماً صاروخياً ناجحاً داخل الأراضي التركية، سواء استهدف منشآت عسكرية أو أصاب مناطق مدنية، ما قد يُجبر أنقرة على توجيه ضربات مباشرة لمصادر التهديد.

وثانيها، تصاعد الضغوط من حلفاء تركيا للانضمام إلى الصراع، خاصة مع استمرار الهجمات على شركائها الإقليميين، مثل أذربيجان وقبرص، واحتمال طلب دعم عسكري أو لوجستي، ما قد يدفع أنقرة نحو تدخل تدريجي.

أما السيناريو الثالث، فيتعلق بالملف الكردي، حيث قد يؤدي تصاعد نشاط الجماعات الكردية المسلحة داخل إيران، خصوصاً حزب الحياة الحرة الكردستاني، إلى تنفيذ عمليات عسكرية تركية عبر الحدود، في ظل حساسية أنقرة تجاه أي تهديد مرتبط بهذا الملف.

استراتيجية “التحوّط”

يرى التقرير أن أنقرة تعتمد نهجاً حذراً يقوم على موازنة المصالح، حيث تسعى إلى إضعاف إيران دون السماح بانهيارها الكامل، بما يحافظ على توازن القوى الإقليمي.

ويعتبر أن استمرار وجود طهران كقوة إقليمية ضعيفة نسبياً يتيح لتركيا مساحة أوسع لتعزيز نفوذها، دون مواجهة منافس قوي أو تغيير جذري في موازين القوى.

ويؤكد التقرير أن الرأي العام يلعب دوراً حاسماً في هذا السياق، إذ تتزايد الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن تعاملها مع الأزمة، في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات توصف بأنها الأهم منذ سنوات.

كما أن تراجع شعبية الحكومة وتزايد الجدل حول ملفات داخلية يزيد من حساسية أي قرار يتعلق بالتدخل العسكري.

ويخلص التقرير إلى أن تركيا تجد نفسها أمام معادلة معقدة تتمثل في الحفاظ على أمنها وردع التهديدات من جهة، وتجنب حرب واسعة قد تقوض استقرارها السياسي من جهة أخرى.

وفي ظل استمرار الهجمات وتزايد الضغوط الدولية، تبقى خيارات أنقرة مفتوحة، لكنها محكومة بحسابات دقيقة تجعل أي خطوة عسكرية قراراً عالي الكلفة سياسياً واستراتيجياً.