التصعيد الحوثي.. بين الانتحار العسكري والبحث عن تفاهمات دولية منقذة

شهدت الآونة الأخيرة تحولات دراماتيكية في المشهد اليمني والإقليمي، حيث اندفعت ميليشيا الحوثي نحو جولة جديدة من التصعيد العسكري على مختلف الجبهات البرية والبحرية. 

هذا التصعيد، الذي يراه مراقبون ومحللون سياسيون بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب، لا يعكس قوة الميليشيا بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي عميق تعيشه المليشيا.

 ومع تزايد الضغوط الدولية والإقليمية على النظام الإيراني وتفكيك شبكات نفوذه، تجد الميليشيا الحوثية نفسها أمام خيارات أحلاها مر، حيث يمثل التصعيد الحالي محاولة مستميتة للاحتماء بعباءة الحرس الثوري الإيراني وضمان حجز مقعد في أي تفاهمات أو تسويات قد تجريها القوى الإقليمية والدولية مع طهران، في وقت تترنح فيه الميليشيا تحت وطأة أزمات داخلية خانقة وتراجع حاد في قدراتها العسكرية واللوجستية.

تعرّي الرأس الإيراني وانعكاساته الحتمية على الأذرع بالمنطقة

لطالما اعتمدت ميليشيا الحوثي في اليمن، إلى جانب فصائل أخرى في العراق ولبنان، على الدعم غير المحدود من النظام الإيراني كركيزة أساسية لبقائها واستمرار مشروعها الطائفي.. إلا أن الحرب الإقليمية والدولية المستمرة لتقويض النفوذ الإيراني نجحت في تعرية هذا النظام وهزّت أركانه بشكل غير مسبوق. 

إن استهداف الهيكل القيادي والعملياتي للحرس الثوري الإيراني، وفرض عقوبات خانقة على خطوط إمداده المالي والعسكري، انعكس مباشرة على أذرع طهران في المنطقة. 

ووفقاً للقواعد الاستراتيجية، فإن تهاوي الرأس يعني حتماً شلل الأطراف، ومع انكشاف الضعف البنيوي للنظام الإيراني وعجزه عن حماية مصالحه الحيوية أمام الضربات الدولية المركزة، تلاشت أوهام القوة التي كانت تحيط بميليشيا الحوثي في اليمن، ولم تعد قادرة على المناورة اللوجستية كما كان عليه الحال في السنوات الماضية، حيث باتت الميليشيا تدرك أن خطوط دفاعها الخلفية في طهران لم تعد آمنة، وأن الاعتماد المطلق على حليف مستنزف يمثل مخاطرة وجودية تهدد بانهيارها الكامل.

تآكل القدرات العسكرية الحوثية 

على مدى سنوات، حاولت الآلة الإعلامية للحوثيين تضخيم قدراتها العسكرية والترويج لامتلاكها أسلحة ردع نوعية قادرة على تغيير موازين القوى، غير أن الواقع الميداني الحالي أثبت زيف هذه المزاعم. فالقدرات العسكرية للميليشيا تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة التنسيق المشترك والتضييق الشامل الذي تفرضه الحكومة الشرعية المسنودة بالدعم الإقليمي والدولي، حيث نجحت الإجراءات الصارمة المتخذة على المستويات الجوية والبحرية والبرية في خنق شبكات التهريب الحوثية بشكل فعال.

 وقد حدت الدوريات الدولية المشتركة والرقابة الصارمة في البحر الأحمر وخليج عدن من وصول السفن الإيرانية المحملة بالصواريخ الباليستية ومكونات الطائرات المسيرة، بالتزامن مع رقابة برية وجوية أسهمت في قطع قنوات الإمداد الحيوية التي كانت تمر عبر المنافذ والحدود، فضلاً عن أن الضربات الاستباقية المركزة على مخازن الأسلحة الحوثية ومنصات الإطلاق أدت إلى استنزاف مخزونها العسكري، وهو ما يؤكده خبراء عسكريون بأن ذلك سيجعل الميليشيا عاجزة عن الاستمرار في خوض حرب طويلة الأمد بذات الكفاءة السابقة.

السخط الشعبي المتصاعد يلتهم ما تبقى من الحاضنة الحوثية

بالتوازي مع الاختناق العسكري، تواجه ميليشيا الحوثي مأزقاً داخلياً أشد خطورة يتمثل في ارتفاع وتيرة السخط الشعبي في مناطق سيطرتها، فالسياسات القائمة على الاستبداد، والبطش، والعنصرية السلالية، إلى جانب نهب مرتبات الموظفين وموارد الدولة وتجويع ملايين المواطنين، ولدت حالة من الاحتقان المجتمعي غير المسبوق ضد المليشيا. 

ولم تعد الشعارات الطائفية التي ترفعها الميليشيا تحت مسميات العزة والكرامة أو محاولات استغلال قضايا الأمة ونصرة قطاع غزة قادرة على تخدير الشارع اليمني أو إقناعه، بل وباتت هذه التبريرات بمثابة أسطوانة مشروخة يرفضها معظم اليمنيين الذين يطالبون بحقوقهم الأساسية من غذاء، وصحة، وتعليم، وخدمات.

 لقد انكشفت خطابات زعيم المليشيا، عبد الملك الحوثي، وظهرت للعيان كأدوات للتغفيل السياسي والهروب من الاستحقاقات المعيشية الملحة للمواطنين نحو تسويق خارجي بائس يتمحور حول مواجهة العدوان الوهمي لتبرير استمرار النهب والفساد المنظم.

التصعيد الأخير ومغامرة الانتحار العسكري الشامل

أمام هذا الانسداد السياسي، والعسكري، والاقتصادي، وجدت ميليشيا الحوثي نفسها مجبرة على الذهاب نحو التصعيد العسكري الأخير كخيار اضطراري لخلط الأوراق، وينطوي هذا المسار على مغامرة عسكرية انتحارية قد تفجر معارك استنزافية واسعة النطاق على جبهات اليمن المختلفة أو في الممرات المائية الدولية. وفي ظل اختلال موازين القوى الحقيقية، وتراجع الدعم الإيراني، وتأهب القوات الحكومية الشرعية، فإن أي تصعيد واسع قد يقود إلى انهيار متسارع لخطوط دفاع الميليشيا، وتفكك قواها العسكرية، مما يعجل بنهاية مشروعها الانقلابي كلياً تحت ضربات مشتركة محلياً ودولياً، لتدفع الميليشيا بنفسها وأتباعها إلى محرقة عسكرية مفتوحة لا أمل لها في كسبها ميدانياً، بل تزيد من وتيرة استنزاف طاقتها البشرية والمادية المتهالكة أصلاً.

الالتصاق بالحرس الثوري وسباق البحث عن فرصة إنقاذ

يمثل الالتصاق بالحرس الثوري الهدف الخفي للتصعيد، حيث تسعى الميليشيا من خلال رفع وتيرة التهديد وزعزعة استقرار المنطقة إلى إثبات أنها لا تزال ورقة ضغط فاعلة بيد النظام الإيراني. وتأمل المليشيا من خلال هذا الارتباط العضوي بطهران أن يتم إدراجها كبند أساسي ضمن أي تفاهمات، أو اتفاقات، أو صفقات تسوية قد تبرمها القوى الإقليمية والدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية مع النظام الإيراني. 

وتعد الميليشيا هذه التفاهمات المرتقبة بمثابة طوق نجاة وفرصة إنقاذ أخيرة تضمن لها البقاء السياسي والاعتراف بها كقوة رئيسية، مستغلة حاجة المجتمع الدولي لإيقاف تهديد الملاحة الدولية، ظناً منها أن رفع سقف التهديد الميداني سيجبر القوى الكبرى على مفاوضتها، والقبول بوجودها ضمن خارطة النفوذ الإقليمية الجديدة كطرف محصن بظلال طهران.

مستقبل المشروع الحوثي في ضوء المعادلات الجديدة

تؤكد المعطيات الراهنة أن ميليشيا الحوثي لم تعد تملك ترف الوقت أو الخيارات المفتوحة، فالأرض تهتز من تحت أقدامها بفعل الغليان الشعبي الداخلي، والسماء والبحر مغلقان أمام إمداداتها العسكرية بفضل اليقظة الدولية والمحلية، وإن لجوءها إلى التصعيد الحالي ليس دليلاً على فائض القوة، بل هو صرخة مأزوم يحاول الهروب إلى الأمام.

 إن رهان الحوثيين على الاحتماء بعباءة الحرس الثوري الإيراني في اللحظات الأخيرة قد يتحول إلى وهم كبير، فالنظام الإيراني نفسه يبحث عن نجاة ذاتية وقد يضحي بأذرعه في أي لحظة تقتضيها مصالحه العليا مع واشنطن والقوى الإقليمية.

 وفي نهاية المطاف، يبقى وعي الشعب اليمني وتماسك جبهة الحكومة الشرعية المدعومة إقليمياً ودولياً هما الصخرة التي ستتحطم عليها مغامرات الميليشيا الانتحارية، لتضع حداً لمشروع طائفي عزل اليمن عن محيطه العربي والعالمي وأذاق شعبه ويلات المعاناة والدمار.