فلسفة "الفلس" الحوثية.. عندما يعظ اللصوص ضحاياهم بالتقشف
لم يكن ينقص المواطن اليمني، القابع تحت وطأة القهر والجوع في المعتقل الكبير المسمى بمناطق سيطرة المليشيا الحوثية، سوى أن يطل عليه الحوثي البغيض محمد مفتاح، المعين بما يسمى قائماً بأعمال رئيس حكومة المليشيا، ليمنحه صك الوصفة الكهنوتية السحرية للنجاة من الهلاك والموت صامتاً.
لقد جادت قريحة "دولة القفل مفتاح" بأحدث النظريات الاقتصادية السريالية في العصر الحديث، ملخصاً مأساة شعب مطحون نُهبت مرتباته وصودرت لقمة عيشه لسنوات، في بضعة ريالات ينفقها على باقة إنترنت يشكو عبرها أوجاعه، ليوجه توبيخاً وطبقية فجة للموجوعين آمراً إياهم بالتوقف عن الشكوى ونشر مناشدات الجوع، وداعياً إياهم بكل برود وجلافة إلى وضع الفلس فوق الفلس والتطوع للعمل بالمجان لتفريج كربتهم.
يا لها من بلاغة بائسة تفضح ذهنية الجباية التي لا ترى في الإنسان اليمني سوى محفظة يجب إفراغها حتى وهي خاوية، وتكشف حجم الانفصال التام والتغابي الفاضح لقيادات مليشيا تعيش في رغد القصور وفلل المشرفين وسياراتهم الفارهة التي نسلوها ونهبوها من أقوات ودماء وتضحيات الشعب، ثم يطالبون الضحية بالتقشف والصمت مطبقاً لكي لا يتكدر صفو مسيراتهم الكهنوتية وشعاراتهم الجوفاء.
إن المأساة الحقيقية هنا لا تقف عند حدود الجهل الاقتصادي أو الفوقية المقيتة، بل تتعداها إلى فكرة المعادلة المقلوبة التي تريد من المواطن اليمني أن يقوم بدور الدولة مجاناً؛ فالمليشيا تأخذ كل إيرادات الضرائب والجمارك والنفط والموانئ وتتنصل من دفع الفلس الواحد للموظف، ثم تطالب المجتمع بإدارة شؤونه بذاته، مما يطرح السؤال البديهي حول جدوى وجود هذه السلطة الكرتونية وهياكلها المليشياوية إن لم تكن سوى أداة للقمع وسياط للنهب.
إن فلسفة الفلس التي يتبجح بها مفتاح هي اعتراف رسمي صريح بإفلاس هذه المليشيا إنسانياً وسياسياً وأخلاقياً، ودليل قطعي على أن الدولة في عرفهم ليست عقداً لحماية المواطن بل مجرد غنيمة حرب، بينما باقة الإنترنت التي يستكثرونها على اليمني ليست ترفاً بل هي النافذة الأخيرة والرمق المتبقي ليصرخ "أنا جائع.. أنا موجود"، ولن تفلح هذه المواعظ الكهنوتية المفخخة في خنق صوت شعب تعلم كيف يصنع الحياة من رماد الأزمات، ولن تزيد السخرية من هذه السخافات اليمنيين إلا وعياً بأن عهد الكهنوت والجباية الحوثية يسير حتماً إلى زوال.