تنظيف الزجاج وبيع المناديل كجرائم.. الحوثيون يوسعون مفهوم "التسول" لجباية الأموال
في الوقت الذي تتسع فيه رقعة الفقر والجوع في اليمن بصورة غير مسبوقة، صعّدت مليشيا الحوثي الإرهابية حملاتها ضد المتسولين والعاملين في المهن الهامشية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر إجراءات تشمل الاختطافات والملاحقات وفرض غرامات مالية تصل إلى مليون ريال.
وبينما تبرر المليشيا تلك الحملة بمكافحة الظاهرة، يرى مراقبون أنها تعكس في حقيقتها مفارقة لافتة في ظل الانهيار الاقتصادي الذي دفع آلاف الأسر إلى البحث عن أي وسيلة للبقاء، رغم ما تنفقه المليشيا على أنشطة خاصة بها بينها رفع لوحات عملاقة في شوارع عدد من المدن لقيادات إيرانية ومن حزب الله اللبناني.
واقع إنساني يفاقم الظاهرة
تأتي حملة مليشيا الحوثي في وقت تشير فيه تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 74% من سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، فيما تؤكد منظمات أممية أن البلاد تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ورسمت بيانات منظمة الصحة العالمية صورة قاتمة للوضع الإنساني، مؤكدة أن اليمن يدخل عام 2026 مع احتياج نحو 22.3 مليون شخص، أي ما يقارب ثلاثة أرباع السكان، إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الأمنية ضد المتسولين الذين يرى كثيرون أنهم نتاج مباشر لهذا الواقع الاقتصادي المتدهور.
في حين توقعت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في تقرير صادر أواخر مايو الماضي، أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، أي ما يعادل 53 في المائة من السكان، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
امتهان التسول
لم تكن "ف. أ" تتوقع أن تتحول ملابسها البسيطة وإرهاقها بعد يوم عمل طويل إلى سبب لاختطافها بتهمة التسول. أمضت أكثر من أسبوعين في الاحتجاز قبل أن يتم الإفراج عنها بعد تدخل مسؤول في المؤسسة التي تعمل بها ودفع مبالغ مالية، لكنها فقدت وظيفتها لاحقاً بعدما التصقت بها تهمة "التسول" في نظر زملائها.
ولا تبدو قصتها حالة فردية، بل تعكس واقع مئات الأشخاص في صنعاء، حيث أدى انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات وتراجع المساعدات الإنسانية إلى دفع كثير من الأسر نحو الاعتماد على التسول أو الأعمال الهامشية كمصدر وحيد للدخل.
وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 18.3 مليون يمني يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، مع تحذيرات من انتقال بعض المناطق إلى مستويات كارثية من المجاعة.
الفقر هو المحرك الأساسي
يرى مختصون اجتماعيون تحدثوا لوكالة خبر، أن تنامي ظاهرة التسول في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يرتبط مباشرة بالتدهور الاقتصادي والانهيار المعيشي، مؤكدين أن الظاهرة تمثل نتيجة طبيعية لاتساع دائرة الفقر وليس سبباً لها.
في المقابل، أفاد ناشطون ومحامون في صنعاء بأن المليشيا وسعت خلال الأسابيع الأخيرة نطاق حملاتها لتشمل مداهمة منازل بعض المتسولين ومصادرة الأموال التي بحوزتهم، بعد أن كانت تكتفي سابقاً بالاستيلاء على ما يجمعونه خلال اليوم.
أهداف سياسية
يصف زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي التسول بأنه "مهنة وضيعة"، إلا أن منتقدين يرون أن الحملة تتجاوز البعد الأخلاقي لتخدم أهدافاً سياسية وأمنية.
ويشير هؤلاء إلى أن المليشيا تتشدد في مواجهة المطالبين بصرف الرواتب أو المنتقدين لتدهور الأوضاع الاقتصادية، بينما تواصل حملاتها الإعلامية التي تركز على الشعارات التعبوية والانتصارات العسكرية، في محاولة لصرف الأنظار عن الأزمة المعيشية المتفاقمة.
وفي الوقت نفسه، دعت منظمات دولية، بينها أوكسفام، إلى تحرك عاجل لمعالجة الوضع الإنساني المتردي في المناطق الخاضعة للحوثيين شمال اليمن، فيما طالب مجلس الأمن في قراريه 2801 لعام 2025 و2813 لعام 2026 الحوثيين بتوفير بيئة آمنة للعمل الإنساني، في ظل تزايد القيود المفروضة على المنظمات الإغاثية.
توسيع مفهوم التسول
ووفقاً لمصادر محلية، أصدرت المليشيا تعميماً جديداً يدرج أنشطة مثل بيع المناديل الورقية وأعواد الأسنان والسلع البسيطة في الشوارع، إضافة إلى تنظيف زجاج السيارات، ضمن أعمال التسول الخاضعة للملاحقة والعقوبات.
وأثارت هذه الإجراءات مخاوف من استهداف شريحة واسعة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، الذين يعتمدون على هذه الأنشطة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.
غرامات كبيرة
وتكشف الحملة عن بعد اقتصادي يتمثل في الغرامات المالية التي فرضتها المليشيا، إذ تراوحت قيمتها بين 150 ألفاً و300 ألف ريال، ووصلت في بعض الحالات إلى مليون ريال، رغم الانهيار الاقتصادي الحاد الذي تشهده البلاد.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن متوسط دخل الفرد في اليمن خلال عام 2026 قد يبلغ نحو 401 دولار سنوياً، وهو من أدنى المستويات عربياً، في وقت تواجه فيه خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة فجوة تمويل كبيرة، بعدما لم تتجاوز نسبة التمويل 14.76% من إجمالي الاحتياجات المقدرة بنحو 2.2 مليار دولار.
ويرى ناشطون تحدثوا لوكالة خبر، أن هذه الغرامات تمثل عبئاً إضافياً على الفئات الأشد فقراً، وتوازي فرض ضرائب على أصحاب المهن الهامشية ومحدودي الدخل، مشيرين إلى تقارير تحدثت عن إلزام بعض المتسولين سابقاً بدفع نسبة من المبالغ التي يجمعونها يومياً مقابل السماح لهم بالعمل، وهو ما يثير تساؤلات بشأن حقيقة أهداف الحملة.
في ظل اتساع رقعة الفقر وتراجع الدعم الإنساني واستمرار الأزمة الاقتصادية، تبدو حملات مكافحة التسول في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي محل جدل واسع، إذ يرى مراقبون أن معالجة الظاهرة تبدأ بمعالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، لا بالاكتفاء بالملاحقات الأمنية والعقوبات المالية التي قد تزيد من معاناة الفئات الأكثر هشاشة.