بين الانكشاف الحوثي والضغوط الإيرانية.. اليمن مرآة للصراع الإقليمي
شهدت الساحة اليمنية خلال السنوات الماضية تقلبات حادة، انعكست على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد. لم يعد المشهد المحلي مجرد نزاع داخلي، بل أصبح امتداداً للصراع الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع مصالح الفاعلين المحليين مع خطوط النفوذ الإقليمي.
في هذا السياق، ظهرت مليشيات الحوثي كأداة رئيسية في هذا التوازن الهش، وجدت نفسها في قلب لعبة أكبر من قدراتها ومقدراتها الميدانية والإدارية.
وقد أصبح الصراع أكثر تعقيداً مع استمرار الضغوط العسكرية والسياسية على أطرافه المختلفة، وتزايد تدخل القوى الإقليمية التي تستخدم اليمن منصة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، مع تجاهل كامل لمعاناة المواطنين والمجتمع المدني.
الواقع اليمني المختطف يعكس انهيار الهياكل الحكومية، وتلاشي مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، مما منح الجماعات المسلحة المتنفذة حرية التصرف في السيطرة على الموارد والمناطق الحيوية.
هذا الوضع، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الحادة وانهيار الخدمات الأساسية، خلق بيئة مثالية لتكريس نفوذ الجماعات المسلحة وتحويل مناطق واسعة إلى ساحات للصراع الإقليمي، حيث يتحرك الحوثيون كواجهة تنفيذية للسياسات الإيرانية، مع محاولة الحفاظ على صورة القوة والمناعة أمام المجتمع الدولي.
الحوثيون بين القوة المستعرضة والارتباك الداخلي
منذ يومين، وكذا يومنا هذا أطلقت مليشيات الحوثي صاروخاً تجاه الأراضي الإسرائيلية، لكن الدفاعات الإسرائيلية اعترضته، مما أعاد النقاش حول طبيعة هذا التحرك.
فالمراقب للخطاب الإعلامي للحوثيين يجد أن الصواريخ والإطلاقات لم تعد تعكس فعل قوة حقيقياً، بل هي تصرفات استجداء سياسي وعسكري، تهدف إلى التخفيف من الضغوط المتزايدة من الحليف الإيراني، الذي يجد نفسه في موقع ضعف أمام الضغوط الدولية المباشرة، وبات يبحث عن أي وسيلة تصعيد لإعادة التوازن لموقعه الاستراتيجي.
الخطاب الحوثي الإعلامي الذي كان مليئاً بالغطرسة والتهديدات تحول إلى مزيج من التبريرات والاهتزاز الواضح، ما يكشف عن ارتباك داخلي وانكسار معنوي.
السيادة المعلنة سابقاً، سواء في التحكم بالملاحة البحرية أو التحركات العسكرية داخل الحدود اليمنية، فقدت الكثير من بريقها، وحل محلها شعور بالريبة والخوف من الرد الدولي المباشر، ما يجعل المليشيا في حالة ترقب مستمر، تحاول فيها موازنة موقفها بين تنفيذ أوامر الحليف الإيراني والرد على الضغوط الخارجية.
الواقع الميداني يعكس هذه الصورة، إذ نشهد تحركات مستمرة لتقوية مواقعها في بعض المحافظات، في حين تظهر بوادر ضعف في مناطق أخرى، ما يعكس صراعاً داخلياً بين الفاعلية والجمود، ويحيل الحوثيين إلى موقع المستأجر الذي يحاول الحفاظ على وجوده بأي ثمن، دون قدرة فعلية على المبادرة أو القيادة المستقلة.
البُعد الإقليمي: دور إيران والمعادلات الدولية
إيران، الحليف الأقوى للحوثيين، تواجه تحديات متعددة في الوقت الراهن، بدءاً من الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، إلى الضغوط السياسية والعسكرية المباشرة على مصالحها وحدودها.
في هذا السياق، يرى القادة الإيرانيون في اليمن وسيلة لتوظيف النفوذ الإقليمي، لكنهم لا يترددون في التخلي عن أدواتهم إذا اقتضت الضرورة حماية مركزهم أو مصالحهم العليا.
السياسة الإيرانية، المبنية على البراغماتية الواقعية، تجعل من الحوثيين مجرد أداة مقايضة، يمكن تقديمها كبش فداء في أي تسوية إقليمية كبيرة.
التحليل السياسي يظهر أن إدارة الضغوط الدولية، خاصة من قبل الولايات المتحدة والوسطاء الإقليميين، تجعل إيران مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها، واستخدام الحوثيين لتخفيف أي انتقادات أو لضمان استمرار نفوذها في المنطقة.
ما يظهر جلياً أن الحوثيين ليسوا أكثر من أداة تنفيذية، وأن أي صعود أو هبوط في موقفهم العسكري أو السياسي هو انعكاس مباشر لتقلبات الموقف الإيراني.
وهذا ما يفسر إطلاق الصواريخ الأخيرة كصواريخ رفع العتب وليس كتعبير عن القوة، بل كإشارة لرغبة إيران في التخفيف من الضغط عليها، واستعراض قدرة الجماعة على تصعيد محدود دون تعريض مصالح المركز للخطر.
استراتيجيات الضغط والتصعيد السياسي والعسكري
التحركات الأخيرة للمليشيات لم تكن عشوائية، بل تندرج ضمن استراتيجية إظهار القوة مع الحد من المخاطر.
الحوثيون يسعون من خلال هذه الاستعراضات إلى إعادة التوازن النفسي بين الجماعة ومؤيديها المحليين، وإرسال إشارات للحلفاء والخصوم على حد سواء بأنهم ما زالوا فاعلين، رغم الانكشاف الواضح أمام المجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه، تُظهر التقديرات أن الحوثيين بدأوا يراقبون بدقة التغيرات في سياسات الوسطاء الإقليميين والدوليين، لعلهم يجدون مخرجاً للتفاوض أو إعادة ترتيب أوراقهم قبل أن يُفرض عليهم مصير لا يمكن العودة منه.
هذه الاستراتيجيات تكشف عن وعي تكتيكي محدود، حيث يحاول الطرف الحفاظ على الحد الأدنى من القوة، في الوقت الذي تتراجع فيه القدرة الاستراتيجية الفعلية على اتخاذ قرارات مستقلة دون الرجوع إلى الحليف الإيراني.
سيناريوهات التسويات المستقبلية والمخاطر المحتملة
التحليلات السياسية تشير إلى أن السيناريوهات القادمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمستوى الانكشاف الإيراني وموقف المجتمع الدولي. إذا قررت طهران التضحية بأذرعها، فإن الحوثيين سيكونون أول من يواجه تبعات ذلك، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية.
أما إذا نجح الحوثيون في إعادة ترتيب أوراقهم، فقد يستعيدون هامش المناورة ولو بشكل محدود، لكن ذلك يتطلب تحركاً سريعاً ومدروساً.
المخاطر المحتملة تشمل تصعيداً محدوداً في المواجهات العسكرية، محاولات ابتزاز سياسي للدول الإقليمية، أو إعادة تشكيل التحالفات المحلية بما يتناسب مع تغير الموقف الإيراني.
هذا الواقع يجعل من إدارة النزاع تحدياً مزدوجاً، بين الضغوط الداخلية والضغوط الإقليمية، وبين الرغبة في البقاء كقوة فاعلة ومحدودة التأثير في الوقت نفسه.
الدروس الوطنية واستثمار اللحظة التاريخية
ما يفرض نفسه على القوى السياسية اليمنية المتمثلة بالحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً الآن هو استثمار لحظة الانكشاف الحوثي. فالفرصة سانحة لمراجعة السياسات الداخلية، وتقوية الدولة ومؤسساتها، ووضع استراتيجيات واقعية للتعامل مع التوقعات المصيرية القادمة بين سقوط النظام الايراني وانكشاف وضعف كيان الانقلاب الحوثي.
ولعل الدرس الأهم في هذا المشهد الايراني الحوثي هو أن الاعتماد على الخارج رهان على سراب، وأن أي صراخ إعلامي أو استعراض عسكري للجماعات المسلحة ليس إلا مقدمة لصمت طويل يفرضه الواقع على الأرض.
القوة الحقيقية تكمن في قدرة الدولة والمجتمع على فرض سياسات واضحة ومستقلة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بعيداً عن الحسابات الإقليمية التي لا تعترف إلا بالمصالح العليا لمركز القرار.
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل الأهم: من سيبيع الآخر أولاً؟ هل سيضحي النظام الإيراني بذرعه وفرعه المتمثل بالمليشيا الحوثية، أم أن الحوثيين أنفسهم سيسعون لإعادة ترتيب أوراقهم قبل فوات الأوان؟
الإجابة عن هذا السؤال سترسم ملامح المرحلة القادمة في اليمن والمنطقة بأكملها، وستحدد موازين القوة بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.