"ما يخلق المعدوم إلا الله"… تبرير حوثي يفاقم غضب الشارع ويكشف سياسة التنصل من الرواتب

 

خبرللأنباء – تقرير خاص:

أثار تصريح وزير مالية مليشيا الحوثي، قال فيه ردًا على مطالبات الموظفين بصرف مرتباتهم: «ما يخلق المعدوم إلا الله»، موجة واسعة من الغضب والاستياء في أوساط الموظفين والشارع العام، باعتباره تعبيرًا صريحًا عن سياسة التنصل التي تنتهجها الجماعة تجاه واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا وتأثيرًا على حياة ملايين اليمنيين.

هذا التصريح لا يمكن قراءته بوصفه زلة لسان أو تعبيرًا عابرًا، بل يأتي منسجمًا مع نهجٍ مستمر تتبعه مليشيا الحوثي منذ سنوات، قوامه التهرب المنهجي من استحقاقات ملايين الموظفين المدنيين، وتحميل الضحايا كلفة سياسات الجباية والحرب، في الوقت الذي تتحصل فيه الجماعة على إيرادات ضخمة ومتنامية من مصادر متعددة، تشمل الضرائب والجمارك والزكاة، وعائدات الاتصالات والمشتقات النفطية، ورسوم الموانئ والمنافذ البرية، فضلًا عن الإتاوات المفروضة على التجار والمواطنين بالقوة، ما يكشف فجوة صارخة بين الخطاب الذي يروّج للعجز والواقع المالي الذي تؤكده الوقائع على الأرض.

ويأتي هذا التصريح في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية والإنسانية في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يعيش مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين دون رواتب منتظمة منذ سنوات، رغم استمرارهم في أداء أعمالهم في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والخدمة المدنية، ما حوّل المرتبات من حق قانوني إلى مطلب إنساني بحت.

ويرى مراقبون أن خطاب «العجز» الذي تروّج له الجماعة يتناقض بشكل صارخ مع حجم الإيرادات التي تتحصل عليها من مناطق سيطرتها، سواء عبر الضرائب والجمارك والزكاة، أو من عائدات الاتصالات والمشتقات النفطية والرسوم المفروضة على التجار والمواطنين. ورغم هذا التدفق المالي، لا تزال الرواتب مغيّبة، في وقت تُوجَّه فيه الموارد لتمويل أنشطة المليشيا وتعزيز اقتصادها الخاص.

هذا الامتناع المستمر عن صرف المرتبات لم يعد مجرد إخفاق إداري أو أزمة مالية، بل أصبح أحد أبرز أسباب تعميق الكارثة الإنسانية في مناطق سيطرة المليشيا، إذ دفع آلاف الأسر إلى فقدان مصدر دخلها الوحيد، وأجبر كثيرًا من الموظفين على بيع ممتلكاتهم، أو إخراج أبنائهم من المدارس، أو اللجوء إلى الديون والمساعدات، في مشهد يعكس انهيارًا شبه كامل لشبكات الأمان الاجتماعي.

ويشير مختصون إلى أن خطورة التصريح لا تكمن في مضمونه فقط، بل في دلالاته، إذ يُحمّل الفقر والجوع إلى «القدر» بدل الاعتراف بالمسؤولية السياسية والإدارية، ويُوظّف الخطاب الديني لتبرير سياسات الإفقار، والتنصل من الالتزامات القانونية والأخلاقية تجاه الموظفين والمجتمع.

وفي الوقت الذي تمارس فيه المليشيا سلطتها بصرامة في تحصيل الجبايات وفرض الرسوم والتجنيد الإجباري، تتعامل مع ملف الرواتب بمنطق الإنكار، ما يعزز صورة سلطة أمر واقع تُحسن الجباية وتفشل في الوفاء بالحقوق، وتدير شؤون الناس بعقلية الحرب لا بمنطق الدولة.

ويؤكد متابعون أن استمرار هذا النهج يهدد بمزيد من التدهور الاجتماعي والاقتصادي، ويفتح الباب أمام انفجارات غضب مكتومة في أوساط الموظفين، الذين يرون في مثل هذه التصريحات إهانة لمعاناتهم اليومية، وتكريسًا لواقع يدفع الأوضاع الإنسانية نحو مستويات أكثر كارثية، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على معالجة أزمة الرواتب أو تحمل المسؤولية تجاه ملايين المتضررين.