اليمن: أمهات بلا مأوى.. 35 ألف امرأة و3,200 حامل في طريق النزوح

في طريق النزوح بين الساحل الغربي وجنوب تعز، لا تحمل اليمنيات حقائب فقط؛ بل تحمل أطفالاً، وحملاً، وخوفاً من ولادة بلا مستشفى أو ممرضة أو مأوى.

ومع نزوح أكثر من 145 ألف شخص منذ بداية سبتمبر 2026، قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان وجود أكثر من 35 ألف امرأة في سن الإنجاب بين النازحين، بينهن نحو 3,200 امرأة حامل، بعضهن قد يلدن على جانب الطريق قبل أن يصلن إلى أي مرفق صحي.

نزوح يتسارع ونساء في المقدمة

بدأ التصعيد على الساحل الغربي وجبهات تعز الجنوبية في سبتمبر 2026، فتوسعت رقعة القتال ودفعت آلاف الأسر إلى النزوح المتكرر. وبحسب تحديث صندوق الأمم المتحدة للسكان، نزح أكثر من 145 ألف شخص خلال الأسابيع الأولى من المواجهات، فيما ارتفع العدد لاحقًا مع اتساع العمليات العسكرية.

النساء والفتيات ليسن مجرد «فئة من النازحين»؛ بل هن الأكثر تعرضاً لانهيار الخدمات والحواجز وانقطاع المياه والغذاء. 

ويقول الصندوق، إن النساء والفتيات النازحات يواجهن مخاطر جسيمة على الصحة والحماية والسلامة، خصوصاً مع إغلاق مرافق صحية ومساحات آمنة للنساء في المناطق الأكثر تضرراً.

3,200 امرأة حامل و600 يحتجن إنقاذاً عاجلاً 

من بين النازحين الجدد، قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان وجود نحو 3,200 امرأة حامل، منهن 360 متوقع أن يلدن خلال أسبوعين، فيما تحتاج 600 امرأة على الأقل إلى رعاية توليدية طارئة ورعاية لحديثي الولادة بسبب احتمال حدوث مضاعفات.

هذه ليست أرقاماً إحصائية فقط؛ إنها قوائم انتظار للموت. فالولادة في ظروف النزوح قد تتحول إلى خطر مباشر إذا تعذر الوصول إلى عملية قيصرية، أو نقل دم، أو علاج نزيف ما بعد الولادة، أو إنقاذ طفل خُدّج.

وقد حذّر الصندوق من أن تعطل خدمات الرعاية قبل الولادة والولادة الآمنة يزيد مخاطر الإجهاض والولادة المبكرة والولادة المتعسرة وتسمم الحمل.

تعز.. 147 ألف امرأة بلا وصول آمن للرعاية

في مدينة تعز، أصبح الوضع أكثر خطورة. فبعد قطع طرق الإمداد وتفاقم الحصار، حذّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 147,600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب فقدن القدرة على الوصول إلى رعاية منقذة للحياة.

كما قدّر الصندوق أن أكثر من 13,100 امرأة حامل في المدينة عاجزات عن الوصول إلى خدمات صحة الأمومة، بينهن 1,500 امرأة يُتوقع أن يلدن خلال أسبوعين. 

وهذه أعداد تعني أن كل يوم تأخير في فتح الطرق أو إدخال الوقود والمستلزمات الطبية يزيد احتمال تحول الولادة إلى مأساة.

الوقود يصبح شرطاً للحياة

لا تحتاج المستشفيات إلى أدوية فقط؛ بل تحتاج إلى وقود لتشغيل المولدات، وسيارات إسعاف، وأجهزة الأكسجين، وغرف العمليات. لكن نقص الوقود، واستنزاف الإمدادات الطبية، وغياب القابلات الماهرات، رفعوا تكلفة الرعاية والنقل وأضعفوا قدرة النساء على الوصول إلى الخدمات.

وفي مدينة محاصرة مثل تعز، يصبح نقص الديزل مسألة ولادة، لا مسألة كهرباء فقط. فالطبيب الذي لا يستطيع تشغيل جهاز، والمريضة التي لا تجد سيارة إسعاف، والقابلة التي لا تصل إلى البيت، جميعهم جزء من سلسلة انهيار واحدة بدأها الحصار وقطع الطرق.

مساحات آمنة أُغلقت وخطر يتضاعف

لم تتوقف الكارثة عند الصحة الجسدية، فقد تعطلت خدمات الحماية من العنف في تعز، وأغلقت غالبية المساحات الآمنة والملاجئ المخصصة للنساء والفتيات؛ إذ إن نحو 75% من خدمات الحماية في المحافظة توقفت. وهذا يعني أن المرأة النازحة قد تجد نفسها بلا سقف، وبلا مكان آمن للنوم، وبلا جهة تقدم الدعم النفسي أو القانوني أو الطبي بعد العنف. ومع استمرار النزوح والاكتظاظ وغياب الخصوصية، تزداد مخاطر الاستغلال والعنف والاضطراب النفسي، خصوصاً على الفتيات والأمهات العازبات والأسر التي فقدت معيلها.

الولادة على حافة الطريق

وثّق صندوق الأمم المتحدة للسكان حالات نساء أنجبن على جانب الطريق أثناء النزوح، في مشهد يلخص حجم الانهيار الإنساني.. امرأة تضع طفلها بين التراب والغبار، بعيداً عن أي ممرضة أو مبياض أو سيارة إسعاف.

هذه الولادات ليست استثناءً معزولًا؛ بل نتيجة منطقية لسياسة تحول الطرق إلى ساحات قتال وحواجز، وتمنع وصول الإمدادات والكوادر الطبية إلى المناطق المحاصرة. 

فحين تُغلق الطرق، لا تُغلق البضائع فقط؛ بل تُغلق أيضاً فرصة الأم في البقاء حية وفرصة طفلها في الولادة بأمان.

مسؤولية لا تُبرَّر

تتحمل مليشيا الحوثي الإرهابية مسؤولية مباشرة عن حماية المدنيين في مناطق سيطرتها، وضمان مرور الإمدادات الإنسانية والطبية، وعدم تحويل الحواجز والطرق إلى أدوات ضغط على النساء والأطفال. فاستمرار قطع الطرق، وتعطيل الخدمات الصحية، وإغلاق مساحات الحماية، يجعل النساء الحوامل والنازحات دائرة الخسارة الأولى في هذه الحرب.

كما أن أي استخدام للطرق أو المناطق المدنية لأغراض عسكرية، أو منع وصول الوقود والمستلزمات الطبية، يزيد من خطر انتهاك القانون الإنساني الدولي، ويجعل النساء والفتيات ضحايا حرب لم يخترنها ولا يملكن وقفها.

ماذا تحتاج النساء الآن؟

فتح ممرات إنسانية آمنة لإدخال الوقود والأدوية ومستلزمات الولادة والأكسجين إلى تعز والمناطق المتأثرة.

مع نشر قابلات مجتمعيات وفرق طبية متنقلة في مواقع النزوح، خصوصًا في الحديدة وتعز.

أيضاً إعادة تشغيل المساحات الآمنة والملاجئ وخدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

مع ضمان وصول النساء الحوامل إلى رعاية توليدية طارئة، بما في ذلك العمليات القيصرية ونقل الدم ورعاية المواليد.

وكذا حماية الطرق والمرافق الصحية من الاستهداف والتحويل العسكري، ومنع استخدام الحصار كأداة على المدنيين.

أمهات ينتظرن أكثر من المساعدة

في تعز والساحل الغربي، لا تنتظر النساء الحوامل مساعدات عادية؛ بل ينتظرن فرصة للولادة بأمان، وسيارة إسعاف، ومولد كهربائي، وطريق مفتوح، ومكان آمن للنوم.

وحين يحرمن من ذلك، لا تكون الخسارة إنسانية فقط، بل تكون جريمة تُرتكب بحق أم وطفل في آن واحد.