العيد الـ 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة... كيف صنع أبناء الجنوب ملحمة الحرية الكبرى
تحتفل اليمن، بذكرى واحدة من أعظم ثورات التحرر الإقليمي والعالمي. ثورة 14 أكتوبر المجيدة التي فجرها الأحرار في جنوب الوطن كبوابة حتمية لانتصار الكرامة الإنسانية.
ويكتسب هذا العيد عظمته من كونه محطة استثنائية امتزجت فيها التضحيات، والتقت فيها الإرادة الوطنية لتصنع فجراً طرد المحتل من عدن صاغراً.
إنها مناسبة لا تُحيي فقط ذكرى طرد الاستعمار البريطاني فحسب، بل تُجسد أيضاً عبقرية الترابط النضالي الذي جعل من جبال الجنوب وسهول الشمال خندقاً واحداً لولادة اليمن الحديث.
جبال ردفان.. مهد الإعصار وتشكّل الإرادة الفدائية
ولد مارد الثورة من رحم المعاناة الطويلة؛ فمنذ احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م، عانى أبناء الجنوب من سياسات التجزئة الاستعمارية التي قسّمت البلاد إلى سلطنات ومشيخات متناثرة لضمان بقاء النفوذ الأجنبي.
إلا أن الوعي الوطني كان ينمو تحت الرماد، مغذى بحركات عمالية ونقابية وطلابية نشطة في الحواضر، ومقاومة قبلية شرسة في الأرياف.
وفي 14 أكتوبر 1963، انطلقت الشرارة الأولى للعمل المسلح من قمم جبال ردفان الشامخة بقيادة الشهيد البطل راجح بن غالب لبوزة، ورغم استشهاد لبوزة في الساعات الأولى للمواجهة، إلا أن دماءه تحولت إلى وقود أشعل الأرض تحت أقدام المستعمر. تشكلت جبهات القتال، والتحمت الفصائل الفدائية، وعلى رأسها الجبهة القومية وجبهة التحرير، لتتحول الجبال والوديان وشوارع عدن العتيقة إلى مسرح لعمليات فدائية نوعية أجبرت المحتل على إعادة حساباته ومواجهة حرب استنزاف ضارية لم يتوقعها.
تلاحم المصير... سبتمبر الشمال وأكتوبر الجنوب بوّابة الانتصار
لا يمكن قراءة تاريخ الثورة اليمنية بشكل مجزأ؛ إذ يمثل سبتمبر في الشمال وأكتوبر في الجنوب الرئتين اللتين تنفس بهما الجسد اليمني الواحد الحرية.
فحينما اندلعت ثورة 26 سبتمبر 1962م في صنعاء وأطاحت بالنظام الإمامي، فتحت آفاقاً استراتيجية وعمقاً حيوياً لثوار الجنوب
لقد أدرك اليمنيون في ذلك الحين أن بقاء الإمامة في الشمال يعني خنق الثورة في الجنوب، وأن استمرار الاستعمار في الجنوب يمثل تهديداً دائماً للنظام الجمهوري الوليد في الشمال.
من هنا، شكّلت الثورتان معاً بوابة الانتصار الكبرى للإنسان اليمني، وحطمتا جدار العزلة والجهل والتبعية، مفسحتين المجال لعصر جديد من الكرامة والسيادة والعدالة الاجتماعية والتعليم.
امتزاج الدماء.. وحدة السلاح من جبهات حجة إلى تلال عدن
تجاوز الترابط بين الثورتين التنسيق السياسي والتعاطف الوجداني ليتجسد في أرقى صور التضحية... امتزاج الدماء على تراب الوطن الواحد. فقَبْل أن تنطلق رصاصة أكتوبر من ردفان، هبّ مئات المقاتلين من أبناء المحافظات الجنوبية إلى الشمال للدفاع عن ثورة سبتمبر والجمهورية الوليدة ضد القوى الملكية، حيث استبسلوا في جبهات صرواح وحجة وصنعاء.
وعندما حانت ساعة الصفر في الجنوب، ردّ الشمال الجميل؛ فتحولت مدينتا تعز وإب إلى قواعد خلفية آمنة ومراكز للتدريب، ومنطلقاً لتموين ثوار الجنوب بالسلاح والذخيرة والدعم اللوجستي.
وكان الدم المسكوب في السهول والجبال واحداً، لم يفرق بين ثائر جاء من جبال ردفان أو مقاتل هبّ من وديان حجة؛ فالغاية كانت وطناً حراً طاهراً من الظلم والاستبداد الأجنبي والمحلي.
الجلاء الناجز... الثمن الغالي والدرس الخالد
قدم أبناء الجنوب قوافل من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وواجهوا بصدور عارية الطائرات الحربية البريطانية وسياسات التهجير القسري وحرق القرى.
ورغم كلفة التضحيات الباهظة، أثبتت الإرادة الشعبية تفوقها على الآلة العسكرية المتطورة، وتوج هذا الصمود الأسطوري في 30 نوفمبر 1967م، برحيل آخر جندي بريطاني صاغراً من ميناء عدن، وإعلان الاستقلال الوطني الشامل وتوحيد السلطنات والمشيخات المتناثرة في دولة وطنية واحدة.
ليبقى الدرس الخالد لثورة 14 أكتوبر، الممتد حتى اليوم، أن اليمنيين عندما تتلاحم قواهم وتمتزج دماؤهم في سبيل القضايا الوطنية الكبرى، لا تقف في وجههم أعتى الإمبراطوريات، وأن شعلة الحرية التي أوقدها جيل أكتوبر وسبتمبر ستبقى منارة تلهم الأجيال المتعاقبة للحفاظ على كرامة الإنسان وسيادة الأوطان.