أسبوع على "فجر اليمن".. مكاسب الساحل تصطدم بجمود جبهات مأرب والجوف وتعميق حصار تعز
أكملت عملية "فجر اليمن" العسكرية، التي أطلقها مجلس القيادة الرئاسي، أسبوعها الأول، وسط تحولات ميدانية متباينة أعادت رسم خارطة النفوذ في الساحل الغربي، لكنها فتحت في الوقت ذاته باباً واسعاً للتساؤلات حول استراتيجية إدارة المعركة الشاملة.
ففي حين نجحت القوات الحكومية والمشتركة في انتزاع المبادرة في الممرات المائية الحيوية، واجهت العملية كبحاً ميدانياً جراء استمرار جمود جبهات مأرب والجوف، الأمر الذي استغلته المليشيات الحوثية لتشديد خناقها العسكري وتكثيف حصارها على مدينة تعز.
مكاسب استراتيجية بباب المندب
استهلت القوات المشتركة (ألوية العمالقة، قوات درع الوطن، والمقاومة الوطنية) الأيام الأولى للعملية بإنجازات خاطفة قوضت نفوذ المليشيات الحوثية عند المضائق الدولية.
وتمكنت القوات من إطباق السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتطهير مديرية ذو باب ومطارها العسكري، بالإضافة إلى السيطرة على مرتفعات حاكمة في جبهة كهبوب ومديرية الوازعية.
وبحسب البيانات الإحصائية العسكرية، ترافقت هذه المكاسب مع خسائر بشرية ومادية هائلة تلقتها المليشيات جراء غارات التحالف العربي المركزة، حيث تم تحييد أكثر من 1370 عنصراً حوثياً بين قتيل وجريح، وتدمير ما يقارب 364 عربة ومعدة عسكرية. كما أدت الضربات الجوية الدقيقة، التي تجاوزت 1729 استهدافاً، إلى شل غرف القيادة والسيطرة ومستودعات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التابعة للمليشيا في ثماني محافظات يمنية.
خناق يشتد على تعز.. غياب الردع البري والمدينة تدفع الثمن
على الجانب الآخر من المعركة، لم تنعكس نجاحات الساحل الغربي إيجاباً على مركز محافظة تعز، التي أصبحت المسرح الأساسي لرد الفعل الحوثي الانتقامي.
فقد شنت المليشيات الحوثية هجمات برية منسقة في الضواحي الغربية والشمالية للمدينة (بما في ذلك جبهات جبل حبشي وجبل هان والأقروض) مستغلة غياب أي هجوم حكومي رادع وحاسم يصد هذا التقدم برياً ويوقف قصفها المدفعي والصاروخي على الأحياء السكنية.
هذا الضغط العسكري الحوثي غير المتكافئ تسبب في تعميق الحصار الخانق المفروض على تعز، مما أدى إلى موجة نزوح جماعي جديدة للسكان، وتدهور مريع في الخدمات العامة، تضاعف أثره بفعل تعمد المليشيات عزل المحافظة عبر قطع وضرب شبكات الاتصالات والإنترنت الأرضي والمحمول.
جمود مأرب والجوف
يجمع خبراء ومحللون عسكريون على أن الثغرة الأبرز التي تعيب هندسة عملية "فجر اليمن" بعد أسبوعها الأول، تكمن في بقاء جبهات محافظتي مأرب والجوف في حالة جمود شبه كامل، وعدم تحريكها بالشكل المطلوب الذي يواكب إعلان عملية عسكرية شاملة.
ويرى المراقبون أن عدم تفعيل المحور الشرقي والشمالي (خاصة في جبهات كسارة، والجدعان، ومحيط معسكر ماس في مأرب، ومحاور الجوف) سمح للمليشيات الحوثية بحرية المناورة اللوجستية؛ حيث أمنت المليشيا ظهرها في تلك المناطق، وتفرغت لسحب تعزيزاتها العسكرية الضخمة وقوتها البشرية وتوجيهها بالكامل نحو جبهات تعز والحديدة ومحيط باب المندب، لفرملة اندفاعة القوات الحكومية وإبقاء مدينة تعز تحت وطأة الاستنزاف اليومي.
التحديات الميدانية ومتطلبات الحسم وتلافي القصور
أمام هذا الواقع الميداني المعقد، تبرز جملة من التحديات والصعوبات اللوجستية التي تعترض القوات الحكومية، وعلى رأسها الكثافة المهولة لحقول الألغام العشوائية والكتل الخرسانية التي زرعها الحوثيون في طرق الساحل، فضلاً عن وعورة التضاريس الجبلية شمال كهبوب والوازعية التي حوّلت المعارك إلى حرب استنزاف وكر وفر.
ولتلافي هذه الإخفاقات وضمان عدم تحول المكاسب التكتيكية الأولى إلى مستنقع دفاعي، يشدد الخبراء على وجوب تنفيذ القيادة اليمنية لعدة متطلبات عملياتية ملحة منها:
تفعيل فوري لكافة الجبهات؛ من حيث إصدار أوامر عسكرية صارمة لتحريك جبهات مأرب والجوف لتشتيت القدرات الحوثية وإجبارها على القتال في محاور متعددة، مما يخفف الضغط تلقائياً عن تعز.
بالإضافة إلى إطلاق هجوم بري رادع في تعز، حيث الانتقال من وضعية الدفاع إلى الهجوم البري المنظم لكسر الحصار عن المدينة وتأمين خطوط إمدادها مع عدن.
وكذا توحيد غرف القيادة والسيطرة، بتنسيق العمليات الميدانية والربط العملياتي اللحظي بين الجيش الوطني والعمالقة ودرع الوطن لمنع حدوث أي فجوات جغرافية.
مع تأمين البدائل الفنية والهندسية من خلال تزويد الوحدات المتقدمة بكاسحات ألغام حديثة، واعتماد منظومات اتصالات فضائية مشفرة (خارج سيطرة الحوثيين) لضمان سرية التوجيهات العسكرية.
وفي نهاية المطاف، يثبت الأسبوع الأول لـ"فجر اليمن" أن السيطرة على الجغرافيا الحاكمة في البحار والمضائق لا تكفي وحدها لحسم الصراع، ما لم توازِها استراتيجية برية شاملة ومترابطة تضرب المليشيات في معاقلها الرئيسية، وتنقذ المدن المحاصرة من مقصلة الاستفراد العسكري.