نصيحة إلى الأشقاء في المملكة
بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب اليمنية، لم يعد السؤال: كم قدم التحالف من دعم؟ فالإجابة معروفة للجميع. السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم هو: لماذا لم يتحول كل هذا الدعم إلى دولة تستعيد عاصمتها ومؤسساتها وتفرض سلطتها؟
وهنا، بكل صراحة، لا بد من مراجعة المسار برمته، لا البحث عن أعذار جديدة.
لقد قدم التحالف وعلى رأسهم الأشقاء في المملكة والإمارات منذ بداية تدخل التحالف، دعماً سياسياً وعسكرياً ومالياً ولوجستياً واسعاً للقوى المناهضة للحوثيين، واستُخدمت إمكانات ضخمة، وتشكّلت وحدات وألوية وقوى عسكرية، وتدفقت الأسلحة والمعدات والتمويل.
ومع ذلك ما نراه اليوم هو بقاء الدولة اليمنية عاجزة عن العودة إلى الداخل بصورة كاملة وانهيارات سريعة وصادمة وغير متوقعة، فقدت فيها أهم المناطق الاستراتيجية وهي الساحل الغربي وباب المندب والجزر المطلة على المضيق، بالإضافة إلى هجمات يومية على المملكة ومنشآتها النفطية والاستراتيجية والحيوية وعلى أمن وسلامة مواطنيها.
المشكلة لم تعد في الإمكانات بل في بنية المصالح؛ فبعد كل هذه السنوات، يصبح من المشروع طرح سؤال أكثر حساسية: هل تحولت الحرب من مشروع مؤقت لاستعادة الدولة إلى بيئة نشأت داخلها شبكات من المصالح السياسية والمالية والإدارية، أصبحت تستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من استمرار الوضع القائم؟
فالحروب الطويلة لا تنتج فقط ضحايا ودماراً؛ بل قد تنتج أيضاً اقتصاد حرب وشبكات مصالح: مسؤولين، متنفذين، تجاراً، وسطاء، قيادات، جماعات سياسية، ومراكز نفوذ تستفيد من استمرار حالة الاستثناء والفوضى وتعدد مراكز القرار.
ومع مرور السنوات، يمكن أن تتداخل المصالح بحيث يصبح إنهاء الحرب تهديداً لمواقع ومكاسب تشكلت خلالها.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالدولة عندما تستعيد عافيتها، تنتهي معها الامتيازات الاستثنائية، وتنتهي معها اقتصاديات الحرب، وتتراجع مراكز النفوذ غير الخاضعة للمؤسسات، ويصبح المسؤول أمام رقابة الدولة والقانون والمحاسبة.
أما في حالة الحرب المفتوحة، فإن كل شيء يمكن أن يُبرر باسم الضرورة والظروف الاستثنائية.
هل أصبح استمرار الأزمة مصلحة لبعض الأطراف؟
ليس من المنطقي اتهام جميع المسؤولين أو القوى السياسية بذلك، لكن من غير المنطقي أيضاً تجاهل احتمال نشوء شبكات مصالح مرتبطة باستمرار الأزمة.
فكيف يمكن تفسير استمرار وضع سياسي وعسكري استثنائي لسنوات طويلة، بينما تتغير الحكومات والقيادات والمواقع، وتبقى الأزمة على حالها؟
وكيف يمكن تفسير وجود مسؤولين وشخصيات سياسية وعسكرية تعيش منذ سنوات خارج البلاد، بينما المواطن الذي يفترض أن يحكموا باسمه يواجه الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية في الداخل؟
وكيف يمكن أن تستمر منظومة من الرواتب والمخصصات والامتيازات والاعتمادات والإنفاق، بينما لا تزال الدولة نفسها عاجزة عن استعادة مؤسساتها؟
هذه الأسئلة لا يجوز أن تبقى محرمة على النقاش.
إلى الأشقاء في المملكة: راجعوا طريقة إدارة الملف؛ إن كان الهدف هو فعلاً استعادة الدولة اليمنية، فإن استمرار إدارة اليمن من الخارج يحتاج إلى مراجعة جادة.
ليس المطلوب التخلي عن اليمن، ولا التخلي عن أمن المملكة ومصالحها، وإنما تغيير طريقة التعامل مع الملف.
أعيدوا الشرعية إلى اليمن.
أعيدوا مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومجلسي النواب والشورى، والقادة العسكريين والأمنيين، والشخصيات الاجتماعية والسياسية، وكل من يتولى مسؤولية عامة، إلى الداخل.
ليعملوا من الأرض اليمنية.
ليواجهوا المواطن.
ليتحملوا مسؤولية قراراتهم.
ليديروا مؤسسات الدولة من داخلها.
وليقودوا بأنفسهم معركة استعادة الدولة، بدلاً من أن تبقى المسؤولية موزعة بين الخارج والداخل، وبين عواصم متعددة ومراكز نفوذ متعددة.
لا يمكن استعادة دولة من الفنادق.. لقد أثبتت التجربة أن البيانات السياسية والاجتماعات الخارجية والمؤتمرات واللقاءات الدبلوماسية لا تصنع دولة.
الدولة تُبنى في مؤسساتها.
والجيش يُبنى في الميدان.
والحكومة تُحاسب أمام الشعب.
والسياسي الذي يريد قيادة بلاده يجب أن يكون حاضراً في بلاده، لا أن تتحول الإقامة خارج الوطن إلى وضع دائم.
فإذا كانت الشرعية عاجزة عن العودة إلى الداخل، فكيف ستستعيد العاصمة؟
وإذا كانت القيادات لا تستطيع إدارة المناطق المحررة من الداخل، فكيف ستدير دولة كاملة؟
أين ذهبت كل تلك الإمكانات؟
هذه أيضاً مسألة تحتاج إلى إجابة صريحة.
لقد حصلت القوات المناهضة للحوثيين على إمكانات عسكرية كبيرة، من أسلحة وآليات ومعدات وتدريب ودعم لوجستي، وشُكلت وحدات وألوية وقوى بشرية متعددة.
ومع ذلك شهدت السنوات الماضية انتكاسات وانهيارات ميدانية متكررة.
وهنا لا يمكن دائماً تحميل السلاح أو نقص الدعم المسؤولية.
السلاح لا يعوض غياب القرار، والمال لا يعوض غياب القيادة، وكثرة الألوية لا تعني وجود جيش، وتعدد القيادات لا يصنع دولة.
المشكلة الأساسية كانت، وما زالت في جانب منها، مشكلة قرار سياسي وعسكري مشتت، وتعدد مراكز النفوذ، وتضارب الأولويات، وغياب قيادة وطنية موحدة.
لا تجعلوا اليمن رهينة لإدارة الأزمة؛ إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول إدارة الحرب إلى هدف بحد ذاتها.
فالحرب يفترض أن تكون وسيلة للوصول إلى حل، وليست وظيفة دائمة، ولا مصدراً دائماً للنفوذ والتمويل والامتيازات.
وعندما تصبح هناك مصالح سياسية ومالية مرتبطة باستمرار الوضع الاستثنائي، يصبح إنهاء الحرب أكثر صعوبة؛ لأن السلام عندها لا يعني فقط نهاية المعارك، بل يعني أيضاً إعادة توزيع النفوذ وإنهاء امتيازات نشأت في زمن الحرب وإخضاع الجميع لمؤسسات الدولة والقانون.
وهذا تحديداً ما يجب أن يُراجع.
دعوا اليمنيين يتحملون مسؤولية اليمن..
إن استمرار الوضع الراهن يستنزف الجميع: اليمنيين، والمملكة، ودول المنطقة. ولهذا فإن إعادة الشرعية بكل مكوناتها إلى الداخل يمكن أن تكون نقطة تحول حقيقية.
عودوا بهم إلى اليمن.
اجعلوا المسؤول يعيش بين أبناء شعبه.
واجعلوا القائد العسكري في الميدان.
واجعلوا السياسي أمام مسؤولياته.
واجعلوا الحكومة في مؤسساتها.
واجعلوا البرلمان قريباً من الشعب.
واجعلوا القرار السياسي والعسكري نابعاً من الداخل.
وعندها فقط يمكن أن نعرف من يريد فعلاً استعادة الدولة، ومن يريد استمرار الوضع القائم.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من المنفى السياسي، ولا إلى المزيد من المؤتمرات والبيانات والاجتماعات التي لا تنعكس على حياة المواطن.
اليمن يحتاج إلى دولة، وقيادة موجودة على أرضه، وقرار وطني موحد، ومؤسسات تعمل من الداخل، وقوة عسكرية وأمنية تخضع لقيادة وطنية واحدة، ومشروع سياسي ينهي الحرب بدلاً من إدارة آثارها.
لقد قدم الأشقاء الكثير، وربما آن الأوان لأن تكون إحدى أهم صور الدعم لليمن هي إعادة القرار والمسؤولية إلى اليمنيين أنفسهم.
فإذا كان الهدف هو استعادة الدولة، فلتكن الدولة في الداخل.
وإذا كان الهدف هو إنهاء الحرب، فليكن القرار موجهاً نحو إنهائها.
وإذا كان الهدف هو بناء يمن مستقر، فليتحمل اليمنيون مسؤولية بنائه.
الرسالة الأخيرة إلى الأشقاء
يا أشقاءنا في المملكة، لقد تحملتم أعباء ضخمة في الملف اليمني، وقدمتم الكثير، وربما آن الأوان للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى دعم اليمنيين في حلها.
ساعدوهم، نعم.
ادعموهم، نعم.
احموا أمنكم ومصالحكم، نعم.
لكن دعوا اليمنيين يديرون وطنهم ويتحملون مسؤولية قراراتهم. لا تجعلوا الدعم بديلاً عن المسؤولية، ولا تجعلوا الاستضافة إقامة سياسية دائمة، ولا تسمحوا بأن يتحول الدعم إلى منظومة مصالح تعيش على استمرار الأزمة.
لقد حان الوقت لكي يعود اليمنيون إلى وطنهم، ويعود القرار اليمني إلى الداخل، وتتحول العلاقة مع الأشقاء من إدارة الأزمة إلى دعم اليمنيين في حلها. فاليمن لن يستعيد دولته إلا عندما تصبح مسؤولية استعادة الدولة مسؤولية يمنية أولاً، ويصبح الخارج داعماً لا بديلاً، والشقيق مسانداً لا وصياً، والقرار وطنياً لا مرتهناً.
هذه هي النصيحة التي قد تكون اليوم أكثر فائدة لليمن، وأكثر راحة للأشقاء، وأقرب إلى إنهاء هذا النزاع الطويل.
فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من سنوات الحرب التي تُدار من الخارج؛ بل يحتاج إلى عودة الدولة إلى الداخل، وعودة المسؤولية إلى أصحابها، وعودة القرار إلى اليمنيين.