اليمن.. جيش ومليشيات تحت الطلب

منذ أن اندلعت الحرب اليمنية عقب انقلاب ميليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة في عام 2014، ظل سؤال جوهري يفرض نفسه على المشهد اليمني، لكنه لم يجد حتى اليوم إجابة واضحة: أين يقف الجيش الوطني من معركة استعادة الدولة؟ ومن يملك القرار الحقيقي في الحرب والسلم؟

فالمشكلة لم تعد، بعد أكثر من عقد من الحرب، في نقص الجبهات أو غياب الإمكانات العسكرية فحسب، وإنما في طبيعة القرار السياسي والعسكري نفسه، والجهة التي تحدد أولوياته وأهدافه وتوقيت تحركه.

فالجيش الوطني، في المفهوم الطبيعي للدولة، ليس قوة موسمية تستدعى عندما تقتضي الظروف، ثم تُجمّد عندما تتغير الحسابات السياسية. الجيش مؤسسة سيادية، مهمتها حماية الدولة واستعادة أراضيها وصون قرارها الوطني. غير أن مسار الحرب اليمنية أظهر، في كثير من مراحلها، صورة مختلفة؛ صورة جيش يتحرك ضمن هامش سياسي وإقليمي ضيق، وتتقاطع قراراته مع حسابات تتجاوز حدود المعركة اليمنية ذاتها.

من معركة استعادة الدولة إلى إدارة الصراع

منذ السنوات الأولى للحرب، كان الهدف المعلن هو إسقاط الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء. لكن السنوات مضت، وتبدلت المعادلات، وتعددت المبادرات والمفاوضات، بينما بقيت صنعاء خارج سيطرة الدولة.

والأكثر إثارة للتساؤل أن مستوى التصعيد العسكري لم يكن دائماً مرتبطاً بمقتضيات المعركة الوطنية وحدها، بل بدا في بعض المراحل متأثراً بدرجة كبيرة بالتطورات الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد التوتر بين إيران وخصومها، وارتباط الملف اليمني بملفات أمن الملاحة والطاقة والصراع الإقليمي.

وهنا يبرز السؤال السياسي الأخطر: هل أصبحت بعض الجبهات اليمنية جزءاً من سياسة إدارة التوازن الإقليمي، بدلاً من أن تكون جزءاً من استراتيجية واضحة لاستعادة الدولة؟

فحين تتصاعد العمليات مع تصاعد التوتر الإقليمي، ثم تتراجع عند تغير الحسابات والانتقال إلى مسارات التهدئة والتفاوض، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المواجهة العسكرية تُدار باعتبارها حرباً وطنية لها هدف نهائي، أم باعتبارها ورقة ضغط ضمن معادلة أكبر من اليمن.

جيش بلا قرار كامل

المشكلة هنا لا تتعلق بالجنود والضباط، ولا بالتضحيات التي قدمها المقاتلون في مختلف الجبهات، وإنما تتعلق بمستوى استقلال القرار السياسي والعسكري.

فإذا كان القرار العسكري للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مرتبطاً بصورة كبيرة بمواقف القوى الداعمة لها، فإن معركة استعادة الدولة تصبح رهينة لتوازنات الحلفاء ومصالحهم وتوقيتاتهم.

وهنا تتجاوز الأزمة حدود الأداء العسكري لتصبح أزمة سيادة وقراراً وطنياً.

فالجيش الذي لا يستطيع تحديد توقيت معركته، ولا أهدافها النهائية، ولا حدود التراجع والتقدم فيها، يصبح عملياً جزءاً من استراتيجية الآخرين، حتى وإن كان يحمل اسم الجيش الوطني.

وهذا هو جوهر المشكلة.

الدعم الخارجي يمكن أن يساعد الدولة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الدولة.

والتحالفات، مهما كانت ضرورتها، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن القرار الوطني.

اليمن بين مشروعين إقليميين

في الجهة الأخرى، لا يمكن تجاهل أن ميليشيا الحوثي نفسها لم تعد مجرد طرف محلي في الصراع اليمني. فقد أصبح ارتباطها بالمحور الإيراني أحد أهم عناصر المعادلة الإقليمية، الأمر الذي جعل اليمن ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل والصراع غير المباشر بين قوى إقليمية ودولية.

وهكذا وجد اليمنيون أنفسهم أمام معادلة شديدة التعقيد: قوة أمر واقع مرتبطة بمحور إقليمي، وجيش حكومي يتحرك ضمن حسابات حلفاء إقليميين، بينما يتراجع المشروع الوطني اليمني إلى الخلف.

وبين هذا الطرف وذاك، بقيت الدولة اليمنية هي الطرف الأضعف.

فالحرب التي بدأت باعتبارها معركة لاستعادة مؤسسات الدولة تحولت تدريجياً إلى ملف داخل منظومة أوسع من الصراعات الإقليمية، وأصبح مستقبل اليمن مرتبطاً، بصورة مؤلمة، بتفاهمات لا يصنعها اليمنيون وحدهم.

السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه

بعد سنوات طويلة من الحرب، لم يعد مقنعاً اختزال المشكلة في صعوبة تحرير صنعاء أو التضاريس أو قوة الحوثيين.

فلو كانت المشكلة عسكرية فقط، لكان من الطبيعي أن تكون هناك استراتيجية واضحة، ومراحل محددة، وأهداف معلنة، ومسار متدرج ينتهي باستعادة العاصمة ومؤسسات الدولة.

لكن استمرار الجمود يفرض سؤالاً أكثر عمقاً: هل توجد فعلاً إرادة سياسية مستقلة لاتخاذ قرار استعادة صنعاء؟

فالمعركة لا تحتاج فقط إلى السلاح والرجال، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى قرار سياسي واضح: ماذا نريد؟ وكيف نصل إليه؟ وما الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه؟ ومن يملك حق اتخاذ القرار؟

أما أن تبقى الجبهات مفتوحة بالقدر الذي يمنع الانهيار، ومغلقة بالقدر الذي يمنع الحسم، فهذا يعني أن الحرب انتقلت من مرحلة محاولة تغيير موازين القوى إلى مرحلة إدارة التوازنات وإبقاء الصراع مفتوحاً.

وهنا يصبح الجيش، بدلاً من أن يكون أداة الحسم الوطني، أداة للردع المحدود وإدارة خطوط التماس.

لا دولة بلا جيش مستقل القرار

استعادة الدولة لا تبدأ من الجبهة فقط، بل تبدأ من استعادة القرار.

فالجيش الوطني يحتاج إلى عقيدة عسكرية وطنية واضحة، وقيادة سياسية وعسكرية تمتلك القدرة على اتخاذ القرار، ومؤسسات دولة تحدد الأولويات بعيداً عن الحسابات المؤقتة.

ليس المطلوب إلغاء التحالفات أو رفض الدعم الخارجي، فالدول في الحروب تحتاج إلى حلفاء. لكن الفارق كبير بين الاستفادة من دعم الحلفاء وبين الارتهان لإرادتهم.

اليمن يحتاج إلى حلفاء، نعم؛ لكنه يحتاج قبل ذلك إلى قرار يمني.

ويحتاج الجيش إلى دعم، لكنه يحتاج قبل الدعم إلى هدف وطني واضح.

أما أن يتحول إلى قوة تُستدعى عندما تحتاج الأطراف الإقليمية إلى رفع مستوى الضغط، ثم تُعاد إلى مواقعها عندما تتغير الحسابات، فهذه ليست استراتيجية لاستعادة الدولة، وإنما إدارة طويلة الأمد للصراع.

صنعاء ليست مجرد مدينة

إن الحديث عن استعادة صنعاء ليس حديثاً عن السيطرة على مدينة فحسب؛ صنعاء هي عنوان الدولة ومؤسساتها ورمز سيادتها.

ولهذا فإن بقاء العاصمة خارج سيطرة الدولة طوال هذه السنوات لا ينبغي أن يتحول إلى أمر واقع سياسي يجري التعامل معه باعتباره جزءاً دائماً من المشهد.

فالدولة التي لا تملك عاصمتها، ولا تسيطر على قرارها العسكري، ولا تستطيع تحديد مستقبل حربها، ستظل دولة ناقصة السيادة مهما تعددت الاعترافات الدولية بها.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع الجيش اليمني الوصول إلى صنعاء؟

بل السؤال الأكثر أهمية: هل يملك الجيش اليمني، ومعه القيادة السياسية، قرار الوصول إلى صنعاء؟

وهنا تكمن القضية الحقيقية.

فاليمن لا يحتاج إلى جيش يتحرك وفق إيقاع الأزمات الإقليمية، ولا إلى جبهات تُفتح عندما تقتضي الضرورة السياسية وتُغلق عندما تتغير الحسابات.

اليمن يحتاج إلى جيش وطني لا يكون تابعاً لمشروع إقليمي، ولا ورقة في صراع الآخرين، ولا جيشاً تحت الطلب. جيش يعرف عدوه، ويعرف مهمته، ويعرف هدفه، ويملك قرار الحرب والسلام ضمن مؤسسات الدولة.

وبعد أكثر من عقد من الحرب، يبقى السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت ركام البيانات السياسية والمفاوضات: متى يصبح قرار الجيش اليمني قراراً يمنياً خالصاً؟

ومتى يتحول الجيش من قوة تنتظر الإشارة إلى قوة تملك الرؤية والقرار؟

ومتى تصبح استعادة صنعاء قراراً وطنياً لا ورقة تفاوضية؟

فما لم يُحسم هذا السؤال، ستبقى الحرب دائرة، وستبقى الدولة غائبة، وسيظل اليمنيون يدفعون ثمن صراعٍ تتغير خرائطه الإقليمية، بينما لا تتغير خريطة وطنهم.

إن القضية اليوم ليست فقط: متى تستعيد صنعاء؟ بل: من يملك قرار استعادتها؟