استحقاقات التصعيد الأخير تضع "الرئاسي" والشرعية اليمنية أمام حتمية الحسم وإنهاء الانقلاب الحوثي
يمر اليمن اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً منذ اندلاع الحرب التي أشعلتها مليشيا الحوثي، حيث تلاشت أوهام التهدئة الهشة تحت وطأة التصعيد العسكري الأخير المتمثل في استهداف المليشيا الحوثية لخطوط الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة، والرد العسكري الحازم من قبل تحالف دعم الشرعية والقوات الحكومية.
هذا الواقع الجديد، المرتبط بملفات الصراع الإقليمي والدولي، يفرض استحقاقات مصيرية على مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة الشرعية، وكافة مكونات الصف الجمهوري.
لم تعد المعركة مجرد خيار سياسي، بل معركة وجودية تقتضي الانتقال من مربع إدارة الأزمة إلى مربع الحسم الشامل لإسقاط الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة.
خارطة المكونات.. جبهة عريضة في مواجهة الانقلاب
تشكلت البنية القيادية والسياسية الحالية للشرعية اليمنية على قاعدة التعددية والاتحاد تحت مظلة "مجلس القيادة الرئاسي" الذي يقوده الدكتور رشاد العليمي، ويضم في عضويته قادة التشكيلات العسكرية والسياسية الأبرز على الأرض.
هذا المزيج القيادي يجمع قوات الجيش الوطني، وألوية العمالقة، ودرع الوطن والقوات المشتركة والمقاومة الوطنية في الساحل الغربي، بالإضافة إلى المكونات السياسية للأحزاب.
هذا التنوع، وإن حمل تبايناً في بعض الرؤى السياسية، يمثل اليوم القوة الضاربة الحقيقية للجمهورية.
إن الالتفاف حول شرعية المجلس الرئاسي والحكومة التنفيذية هو حجر الزاوية الذي يمكن من خلاله تحويل عناصر القوة الفردية لكل مكون إلى استراتيجية دفاعية وهجومية موحدة قادرة على كسر الغطرسة الحوثية المدعومة من طهران.
اختبار التلاحم
تفرض المرحلة الراهنة على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية حزمة من المسؤوليات العاجلة، على رأسها المضي قدماً وبشكل حازم في إنهاء أي انقسامات بين المكونات العسكرية.
إن توحيد كافة التشكيلات المسلحة تحت غرف عمليات مشتركة وبقيادة موحدة لوزارة الدفاع هو الممر الإجباري لتفعيل جبهات القتال بشكل متزامن وشل قدرة المليشيا على المناورة وتشتيت جهود الشرعية.
بالتوازي مع الجهد العسكري، تبرز معركة الاقتصاد كواحدة من أخطر الأدوات الحالية. فمسؤولية الحكومة الشرعية تكمن في تثبيت الوضع المعيشي في المحافظات المحررة، وضبط تدهور العملة الوطنية، وإدارة الموارد الذاتية بكفاءة عالية، بالإضافة إلى حماية المنشآت الحيوية وضمان استئناف تصدير النفط باعتباره شريان الحياة للاقتصاد اليمني.
إن تثبيت الأمن والخدمات في مناطق الشرعية، يمثل الحاضنة الشعبية الحقيقية والنموذج الجاذب للمواطنين الرازحين تحت وطأة المعاناة والترهيب الحوثي في المناطق غير المحررة.
استثمار الموقف الدولي
لم يعد الموقف الدولي ينظر إلى المليشيا الحوثية كفصيل محلي، بل كتهديد مباشر للأمن والسلم الدوليين وحرية التجارة العالمية في البحر الأحمر وباب المندب.
هذا التحول الإيجابي، والتحذيرات الدولية الصارمة الموجهة للمليشيا الحوثية وداعميها في إيران، يمنحان الدبلوماسية اليمنية فرصة ذهبية غير مسبوقة.
إن مسؤولية مجلس القيادة الرئاسي تتركز في استثمار هذا الزخم الدولي لتعزيز شرعيته الدستورية، والمطالبة بدعم لوجستي وعسكري نوعي للقوات المسلحة على الأرض.
كما يجب على الدبلوماسية اليمنية دفع المجتمع الدولي لتصنيف المليشيا فعلاً كمنظمة إرهابية عالمية بشكل دائم ومقاطعتها كلياً، وتأكيد أن الاستقرار المستدام للملاحة الدولية لن يتحقق عبر الضربات الجوية الموضعية فحسب، بل من خلال تمكين الحكومة الشرعية من بسط سيطرتها الكاملة على كامل التراب اليمني وإنهاء الانقلاب من جذوره.
المضي نحو حسم مصيري
إن الرسالة التي يفرضها الواقع اليوم على الصف الجمهوري بكافة أطيافه هي أن خيارات الانتظار والترقب قد انتهت. لم يعد هناك متسع للخلافات البينية أو الحسابات السياسية الضيقة، فالتهديد الحوثي يستهدف الجميع دون استثناء ويسعى لطمس الهوية اليمنية والنظام الجمهوري.
تقف القوى الجمهورية اليوم أمام مسؤولية تاريخية تتطلب استنفاراً كاملاً وتعبئة عامة وإسناداً مستمراً لخطوط النار.
حيث إن إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة والمناطق المختطفة، لم يعد مجرد شعار، بل هو المطلب الشعبي والوطني الوحيد الذي ستحدده الأيام القادمة، وسط وعي مجتمعي وسياسي بأن الحسم وتوحيد البندقية هما السبيل الوحيد لخروج اليمن من هذه النفق المظلم نحو بر الأمان.