الجوف في عين العاصفة.. لماذا يرى الحوثيون في انتفاضة مطارح الريان بداية النهاية لمشروعهم؟
تستنفر القيادات العليا لمليشيا الحوثي في صنعاء طاقاتها السياسية والأمنية والعسكرية لمواجهة أزمة ميدانية غير تقليدية، تتجاوز بخطورتها جبهات القتال الحدودية أو المواجهات مع الجيش اليمني وقوات التحالف العربي.
هذا الاستنفار يأتي على خلفية استمرار الاحتشاد القبلي المتصاعد في مطارح الريان بمحافظة الجوف، الذي جاء استجابة لنداء النكف القبلي الذي أطلقه الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، حيث عكس هذا التحرك تحولاً استراتيجياً عميقاً في مسار الصراع الداخلي، وجعل المليشيا تواجه التهديد الأكثر رعباً لمنظومة حكمها منذ سنوات.
وتشير القراءات التحليلية للمشهد الميداني إلى أن المليشيا الحوثية باتت تنظر بوعي كامل إلى خطورة هذا الحراك، كونها تدرك أن القوة العسكرية والترسانة التسليحية التي تمتلكها قد تمنحها القدرة على المناورة في الجبهات المفتوحة، لكنها تقف عاجزة ومشلولة أمام ثورة العصب القبلي الذي يمثل العمود الفقري لسيطرتها الجغرافية والبشرية، وهو ما يفسر حالة الهستيريا والتوجس الحوثي من تداعيات هذا النكف الذي يضرب المليشيا في مقتل ويبدد أوراق قوتها الداخلية.
شرارة النكف
انطلقت شرارة هذه الانتفاضة من قلب العاصمة المختطفة صنعاء عقب ارتكاب قيادات حوثية انتهاكات جسيمة طالت امرأة استجارت بالشيخ حمد بن فدغم الحزمي، وتلا ذلك اختطاف الشيخ نفسه بطريقة مهينة لعدة أسابيع، مما شكل صدمة للمجتمع القبلي الذي يرى في هذه الممارسات تعدياً سافراً على الأسلاف والأعراف المغلظة وتجاوزاً لخطوط العيب الأسود الحامية للمرأة والوجاهات القبلية في اليمن.
وفور إطلاق سراحه، عاد الشيخ الحزمي إلى مسقط رأسه في الجوف ليعلن النفير العام ونكف الكرامة، لتتحول صحراء الريان في غضون أيام قليلة إلى معسكر قبلي ضخم يحتشد فيه آلاف المقاتلين المدججين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، معلنين رفضهم المطلق لسياسات الإذلال والغطرسة الحوثية الممنهجة ضد الرموز القبلية.
كسر استراتيجية التفكيك
يتجاوز رعب الحوثيين من هذا الاحتشاد المسلح مجرد المخاوف من المواجهة المباشرة، ليمتد إلى الرعب من تلاحم النسيج القبلي الذي وفد إلى المطارح من مختلف المحافظات والمناطق اليمنية بما فيها قبائل طوق صنعاء ومأرب وشبوة وحضرموت والبيضاء، وإب وتعز.
هذا التوافد الواسع وغير المسبوق أسقط استراتيجية الحوثيين التاريخية القائمة على إذكاء الثارات وتغذية النزاعات البينية بين القبائل لإضعافها وإشغالها ببعضها لضمان سهولة السيطرة عليها، حيث وجد الحوثيون أنفسهم فجأة أمام جبهة قبلية موحدة عابرة للاستقطابات السياسية التقليدية، وتتحرك بدافع حمية العِرض والأرض، وهو تحالف طوعي صلب لم تستطع أي قوى عسكرية رسمية تشكيله طوال العقد الماضي.
جفاف المخزون البشري والركيزة الوجودية للمليشيا الحوثية
تكمن المعضلة الوجودية لمليشيا الحوثي في أن القبيلة اليمنية، وخاصة قبائل الجوف والمناطق المحيطة بها، تمثل الخزان البشري الرئيسي والركيزة الأساسية التي تمد الجبهات بالمقاتلين والمسلحين عبر آليات الترهيب والتعبئة الطائفية أو استغلال الأزمات المعيشية.
وخروج قبيلة دهم والقبائل المتحالفة معها عن طاعة المليشيا وإعلان الرفض القاطع المباشر للمليشيا يعني جفاف شريان الحياة البشري للمليشيا، إذ تدرك القيادة الحوثية تماماً أن الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية تصبح بلا قيمة ميدانية حقيقية إذا خسرت العنصر البشري القبلي القادر على مسك الأرض وخوض معارك الاستنزاف لحسابها.
رعب العدوى وانهيار جدار الخوف
الأثر الأشد فتكاً الذي تخشاه مليشيات الحوثي من نجاح مطارح الريان في فرض شروطها وإخضاع المشرفين الحوثيين، هو انتقال عدوى هذا التمرد القبلي إلى بقية المحافظات المخنوقة تحت وطأة الجبايات والإتاوات الحوثية مثل عمران وذمار وحجة وصنعاء وإب والحديدة، وتعتمد مليشيات الحوثي في هذه المناطق على صناعة هالة من القوة المطلقة والبطش الأمني لترهيب السكان والقبائل، وبالتالي فإن كسر هيبة المليشيا في الجوف واضطرارها لتقديم التنازلات سيزيل حاجز الخوف النفسي لدى زعماء القبائل الأخرى، مما قد يفجر انتفاضات متزامنة ومتعاقبة تطيح بوجود المليشيا في غضون أسابيع قليلة جراء الغليان الشعبي المكبوت.
شلل أدوات الردع الحوثية
يجد الحوثيون أنفسهم في موقف عاجز عن استخدام القوة العسكرية المفرطة والسافرة مثل قصف التجمعات القبلية بالصواريخ والمسيرات، رغم رصد تحركات استطلاعية قوبلت بجهوزية قبلية عالية؛ لأن ارتكاب أي حماقة عسكرية ضد مطارح تضم كبار مشايخ اليمن سيعني إعلان حرب شاملة ضد القبيلة ككيان اجتماعي، وسيدفع الأطراف المحايدة للالتحاق الفوري بالقتال.
ونتيجة لهذا الشلل العسكري، لجأت المليشيا إلى مناورات بديلة شملت إرسال لجان تحكيم ووساطات قبلية لتقديم وعود بالتهدئة بغرض كسب الوقت وتفكيك زخم الاحتشاد القبلي السلمي تمهيداً للاستفراد بالرموز القبلية لاحقاً، تزامناً مع قيامها بقطع شبكات الاتصالات وعزل منطقة المطارح جغرافياً لمنع وصول الإمدادات والوفود القبلية المساندة، في محاولة بائسة لمحاصرة النيران قبل أن تحرق معاقل حكمها في صنعاء.