من مدرج صنعاء إلى وعيد "المالكي".. هل اقتربت ساعة الصفر لتفكيك الأفعى الحوثية؟
لم يكن هبوط الطائرة الإيرانية التابعة لشركة "ماهان إير" في مدرج مطار صنعاء الدولي مجرد رحلة جوية عابرة مخرت عباب الأجواء اليمنية، بل كان بمثابة ارتطام صاخب بآخر ما تبقى من قشور السيادة الزائفة التي دأبت مليشيا الحوثي على التلحف بها مواراةً لعورتها السياسية وارتهانها الكامل للمشروع الفارسي.
إنها الحقيقة العارية الباردة التي صدمت كل ذي عينين؛ عاصمة التبابعة والملوك العريقة تُقاد اليوم من رسنها لتتحول إلى باحة خلفية لطائرات الحرس الثوري وجنائز طهران، في تحدٍ فج وصارخ للقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأمام هذا التطاول السافر، لم يكن مستغرباً أن يأتي رد الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، متمثلة بمجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، صاعقاً في لغته السياسية والدبلوماسية، حين عدَّ الواقعة انتهاكاً خطيراً لسيادة الدولة الحصرية على أجوائها ومنافذها، متوعداً بتحرك دستوري وأمني شامل لكبح هذا الصلف.
هذا التلازم في التصعيد سرعان ما انسحب على جبهة الإقليم، فما إن حاولت المليشيا الحوثية ممارسة هوايتها المعتادة في الابتزاز عبر إطلاق تهديدات جوفاء بضرب المصالح الحيوية والمطارات في المملكة العربية السعودية، حتى تلقت صفعة الرد الحازم من قيادة قوات تحالف دعم الشرعية؛ إذ وضع المتحدث الرسمي اللواء الركن تركي المالكي النقاط على الحروف، واصفاً التهديدات بأنها محض مناورة يائسة للهروب من الغليان الشعبي والرفض القبلي المتصاعد في الداخل، ومطلقاً وعيداً قطعياً بأن أي مغامرة ستقابل برد من القوة الرادعة وغير المسبوقة التي ستضرب أوكارهم بلا هوادة.
غير أن القارئ الحصيف لمتناقضات المشهد اليمني يدرك جيداً أن قيمة المعارك لا تُقاس ببلاغة الحبر على الورق ولا بضجيج البيانات في منصات الأخبار، فالشارع اليمني الذي طحنته سنوات الجوع، وصودرت لقمة عيشه ورواتبه، وحُوصرت مدنه، لم يعد ينظر إلى عبارات التنديد والإدانة إلا بوصفها ترفاً دبلوماسياً لا يسمن ولا يغني من جوع.
إن ما يريده اليمانيون اليوم على أرض الواقع، من ميدي إلى المهرة، هو تحويل هذا الوعيد الإقليمي والحكومي إلى استراتيجية حسم عسكرية وسياسية واقتصادية شاملة، تترجم القوة غير المسبوقة إلى فعل يقطع الشرايين الممتدة من طهران، ويغلق منافذ التهريب، وينتزع المؤسسات المغتصبة من أيدي اللصوص.
ومن رحم هذه الرغبة الشعبية العارمة يولد السؤال الوجودي الكبير والملحّ: متى يسقط هذا الانقلاب الحوثي وينقشع كابوسه؟
والإجابة العميقة لا تحتمل المواربة أو الرهان على سراب الحلول السلمية مع مليشيا عقائدية سلالية لا تؤمن بالسلام أساساً؛ إذ إن سقوط الحوثية مرهون بمعادلة حتمية ثلاثية الأركان، تبدأ أولاً بالتحام حقيقي وصادق لكافة الجبهات والقوى المناهضة للمشروع الإيراني تحت راية وطنية واحدة وعقيدة قتالية موحدة تفكك الخلافات البينية وتصوب البنادق نحو العدو الأوحد، وتمر ثانياً بكسر حالة الجمود العسكري المريب وإنهاء مفاعيل الهدن الهشة التي لم تخدم سوى المليشيا لتنظيم صفوفها وبناء ترسانتها.
أما الركيز الختامي لتداعي هذا الانقلاب فيكمن في تجفيف النبع الرقراق لشرورهم عبر تشديد الخناق الدولي والإقليمي على خطوط الإمداد القادمة من إيران؛ فالحوثية ليست نبتة يمنية أصيلة بل ذراع مستعارة، ومتى ما حوصرت الأفعى في طهران جفت السواقي الحوثية في صنعاء وماتت عطشاً.
إن لحظة سقوط الانقلاب ليست نبوءة غيبية بل هي حتمية تاريخية وسنة كونية، فالشعوب الحرة المعتزة بهويتها السبئية والحميرية، والتي فجرت ثورة سبتمبر العظيمة ضد الكهنوت البائد، لن تقبل بأن تظل رهينة لعصابة عصبوية، وما الغليان الداخلي والرفض القبلي المتنامي إلا الشرر الذي يسبق الانفجار الكبير الذي سيعيد صنعاء حتماً إلى حضنها العربي الأصيل، نقية، أبية، وذات سيادة لا تقبل الانكسار.