الكتاب المدرسي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي: حين يتحول التعليم إلى سلعة سوداء

لم تعد أرصفة الشوارع في العاصمة المختطفة صنعاء مجرد مساحات عامة تعكس ازدحام المدينة وفوضاها، بل تحولت في ظل سيطرة مليشيات الحوثي إلى أسواق سوداء لبيع المناهج المدرسية، في مشهد يلخص حجم الانهيار الأخلاقي والمؤسسي الذي طال قطاع التعليم. فبدل أن يكون الكتاب المدرسي حقًا مكفولًا لكل طالب، بات أداة ابتزاز ومصدر تمويل إضافي لآلة الحرب وبرامج التطييف، على حساب مستقبل أجيال كاملة.

ما يحدث ليس خللًا إداريًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة تتعمد من خلالها المليشيا حرمان الطلاب من الكتب داخل المدارس، وطرحها للبيع بأسعار باهظة في الأسواق، في وقت تُفرض فيه “الملازم الحوثية” بالقوة على الطلبة، في محاولة مكشوفة لتفخيخ الوعي وتكريس خطاب طائفي دخيل على المجتمع اليمني. هكذا يُجبر الطالب على شراء ما يجب أن يُمنح له مجانًا، ويُجبر في الوقت ذاته على تلقّي محتوى أيديولوجي يخدم مشروعًا سياسيًا مسلحًا لا علاقة له بالتعليم.

تقارير حقوقية تؤكد خطورة هذا المسار. فالشبكة اليمنية للحقوق والحريات كشفت عن احتكار مليشيا الحوثي بيع الكتب المدرسية للمدارس الأهلية، ورفع سعر المنهج الواحد إلى نحو عشرة آلاف ريال، مع فرض شراء نسخ جديدة سنويًا ومنع إعادة استخدامها. هذه الممارسات لا تمثل فقط انتهاكًا صارخًا للحق في التعليم، بل تفرض أعباء مالية إضافية على الأسر اليمنية تُقدّر بمئات الملايين من الريالات سنويًا، في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

الأخطر من ذلك أن هذا العبث يحوّل مؤسسات الدولة الخدمية إلى أدوات جباية وشركات ربحية، تُدار بعقلية المليشيا لا بروح الدولة. التعليم، الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن المجتمع ومستقبله، يُستغل اليوم كرافد مالي ووسيلة للهيمنة الفكرية، في انتهاك مزدوج للطفولة والكرامة الإنسانية. إن تحويل الكتاب المدرسي إلى سلعة تُباع على الأرصفة ليس مجرد فضيحة أخلاقية، بل جريمة مكتملة الأركان بحق اليمنيين جميعًا.

أمام هذا الواقع، يصبح الصمت شراكة غير مباشرة في الجريمة. فحماية التعليم، وضمان وصول الكتاب المدرسي لكل طالب، ليست قضية فنية أو تربوية فحسب، بل معركة وعي وحقوق وعدالة. معركة ضد تحويل الجهل إلى أداة، وضد استغلال أبسط حقوق الإنسان لتمويل الحرب وفرض الوصاية الفكرية. وفي بلد أنهكته الصراعات، يبقى إنقاذ التعليم هو الخطوة الأولى لإنقاذ ما تبقى من الوطن.