ثلاثة خطوط صدع تهدد محادثات إسلام آباد.. هل نحن أمام "استراحة تكتيكية" أم انفجار وشيك؟

قال تقرير حديث نشره منتدى الشرق الأوسط، إن وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 7 أبريل/نيسان 2026، ويستمر أسبوعين، وضع حداً لأربعين يومًا من القصف الأمريكي الإسرائيلي، والذي أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني، وألحق أضرارا واسعة بالبنية التحتية العسكرية، كما تسبب في تعطيل نحو 20% من تدفقات النفط العالمية.

وذكر المنتدى، في تقرير تحليلي أعده الكاتب مهرداد مارتي يوسفياني، وهو مؤسس مؤتمر حرية إيران، وشغل منصب كبير المستشارين الاستراتيجيين لرضا بهلوي حتى عام 2018، أن هذا الوقف لم يُفضِ إلى حل جوهري للأزمة، إذ لا تزال الجمهورية الإسلامية تحتفظ بتماسكها المؤسسي، وقدراتها على تخصيب اليورانيوم، ومواد انشطارية يمكن استخدامها لإنتاجه. 

وأشار إلى أن واشنطن وافقت على إعادة فتح مضيق هرمز وفق شروط إيرانية، تتضمن فرض رسوم عبور تُقدّر بنحو مليوني دولار لكل سفينة، بدلاً من ضمان حرية الملاحة.

واعتبر التقرير أن المكسب الرئيسي للهدنة يتمثل في كسب الوقت، محذراً من أن الخطر يكمن في الاعتقاد بأن هذا الوقت يمثل حلاً.

وأشار التقرير إلى وجود ثلاثة خطوط تصدع هيكلية تتمثل في استبعاد لبنان، والخلاف حول شروط الملاحة في مضيق تايوان، والغموض النووي المتعمد، وهي عوامل قد تدفع نحو انهيار سريع خلال محادثات إسلام آباد المقررة في 10 أبريل/نيسان.

وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى فشل المعارضة الإيرانية في الحصول على تمثيل ضمن أي إطار تفاوضي، ما ترك مصير نحو 92 مليون إيراني رهناً بعملية ثنائية بين طرفي النزاع.

حسابات المعارضة

أوضح التقرير أن المزاج العام داخل صفوف المعارضة الإيرانية، بما في ذلك أنصار رضا بهلوي، يتسم بالارتباك، لا بالتفاؤل أو الإحباط، مع اقتراب لحظة مفصلية طال انتظارها.

وأضاف أنه مع انطلاق الحملة في 28 فبراير، لجأ كثيرون إلى تفضيل خيار القوة الخارجية باعتباره أقل كلفة مقارنة باستمرار النظام، خاصة بعد أحداث يناير 2026 التي شهدت مقتل آلاف المدنيين. غير أن هذا التصور بدأ في الانهيار مع توسع الضربات لتشمل أهدافًا مدنية وبنية تحتية حيوية.

وأشار التقرير إلى أن تهديدات القيادة الأمريكية بتدمير "حضارة كاملة" عززت خطاب النظام داخلياّ، إذ تلقى الإيرانيون هذه التصريحات كتهديد لوجودهم الوطني، لا للنظام السياسي.

وأشار إلى أن بعض أنصار التيار الملكي في الخارج شبّهوا الضربات الجوية بـ"العلاج الكيميائي"، لكن هذا الطرح بدأ يتراجع مع تزايد الإدراك لحجم الخسائر، خاصة بعد استهداف مواقع مدنية، من بينها مدارس.

وأكد أن وقف إطلاق النار لم يُجب عن السؤال الجوهري: ما هو الثمن المقبول للتغيير؟

محادثات إسلام آباد

وصف التقرير محادثات العاشر من أبريل بأنها إجراء شكلي أكثر من كونها مساراً جوهرياً للحل، في ظل تباعد المواقف بين الطرفين.

وبيّن أن المقترح الإيراني يتضمن الحفاظ على السيطرة على مضيق هرمز، واستمرار التخصيب، ورفع العقوبات، وسحب القوات الأمريكية، ودفع تعويضات، بينما تطالب واشنطن بتفكيك برنامج التخصيب وتسليم المخزون النووي ووقف النفوذ الإقليمي والاعتراف بإسرائيل.

ورجّح التقرير أن أفضل سيناريو ممكن يتمثل في تمديد وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات غير مباشرة طويلة الأمد، مستبعداً تحقيق اختراق سريع.

وأكد أن غياب المعارضة الإيرانية عن هذه المحادثات يمثل إخفاقًا كبيراّ، نظراً لأن نتائجها ستحدد مستقبل البلاد.

دور باكستان

أبرز التقرير صعود باكستان كوسيط رئيسي، مشيراً إلى أن هذا الدور يكشف عن تحولات استراتيجية، خاصة مع تراجع الحضور الأوروبي وانخراط دول الخليج كأطراف في النزاع.

وأوضح أن دوافع إسلام آباد تشمل اعتبارات جغرافية واقتصادية وعلاقات متشابكة مع كل من واشنطن وطهران، إلى جانب طموحها لتعزيز دورها الدولي.

كما أشار إلى التنسيق الوثيق مع الصين، التي لعبت دوراً محورياً في الدفع نحو وقف إطلاق النار، عبر مبادرة مشتركة سبقت الإعلان عنه.

وحذر التقرير من أن سعي باكستان لتثبيت دورها قد يدفعها إلى دعم اتفاقات لا تخدم بالضرورة مستقبل إيران الديمقراطي.

سيناريوهات ما بعد وقف إطلاق النار

يرجّح التقرير ثلاثة مسارات رئيسية لمآلات وقف إطلاق النار، في ظل توازن هش ومصالح متعارضة بين الأطراف.

السيناريو الأول: التمديد (الأكثر ترجيحاً)

يتوقع التقرير أن يتجه الطرفان إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثين يوماً أو أكثر، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي. 

ويشير إلى غياب حافز فوري لدى أي من الجانبين لاستئناف العمليات العسكرية، في ظل اعتبارات سياسية واستراتيجية متبادلة.

وقد أعلن دونالد ترامب تحقيق "نصر كامل"، وهو خطاب يحتاج إلى الحفاظ على زخمه داخلياً، فيما تسعى إيران إلى كسب الوقت لإعادة ترتيب هياكلها القيادية عقب مقتل علي خامنئي، وتعزيز روايتها الداخلية، إضافة إلى تثبيت ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز وفق شروطها.

السيناريو الثاني: الانهيار والتصعيد

يحذر التقرير من أن فشل محادثات إسلام آباد بشأن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الملف النووي، ومضيق هرمز، ولبنان، قد يؤدي إلى انهيار سريع للهدنة وعودة التصعيد.

وتبرز إسرائيل كعامل حاسم في هذا السيناريو، إذ لا تشارك في المفاوضات، واستبعد لبنان صراحة من نطاق وقف إطلاق النار، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الداخلية على حكومتها. وقد وصف يائير لابيد الوضع بأنه من أخطر "الكوارث السياسية" في تاريخ البلاد. 

ويشير التقرير إلى أن أي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة واسعة يصعب احتواؤها.

السيناريو الثالث: اتفاق جزئي (الأقل ترجيحاً على المدى القريب)

يطرح التقرير احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يتضمن إعادة فتح المضيق، وتخفيفاً جزئياً للعقوبات، وتجميداً مؤقتاً لعمليات التخصيب، مع تأجيل القضايا الجوهرية إلى مراحل لاحقة. ورغم أن هذا السيناريو يمثل مخرجاً عملياً، فإنه يُعدّ ضعيف الاحتمال في الأمد القريب، نظراً لتعقيد الملفات المطروحة.

وأشار التقرير إلى ضرورة استعداد المعارضة الإيرانية للتعامل مع هذه السيناريوهات كافة، من خلال بناء إطار سياسي تعددي قادر على تقديم بديل حقيقي، في الوقت الذي لفت بوضوح إلى أن هذا المسار لا يزال متعثراً، في ظل غياب بنية تنظيمية فعالة حتى الآن.

النتيجة الواقعية

اعتبر التقرير أن استسلام النظام الإيراني غير وارد، رغم حجم الخسائر، مشيراً إلى قوة مؤسساته وسيطرة الحرس الثوري وصلابته الأيديولوجية.

ورجّح أن تنتهي الأزمة بتسوية غامضة تشمل إعادة فتح المضيق، وتقييداً جزئياً للتخصيب، وتخفيفاً محدوداً للعقوبات، مقابل انسحاب أمريكي جزئي، مع بقاء جذور الصراع دون حل.

وأكد أن الشعب الإيراني سيظل المتضرر الأكبر، في ظل غياب المشاركة السياسية في تقرير مستقبله.

ثلاثة خطوط صدع

يرى التقرير أن وقف إطلاق النار، بطبيعته التصميمية، يعاني هشاشة بنيوية واضحة، إذ لا يُبدي أي من الطرفين استعداداً لتقديم التنازلات اللازمة لضمان استمراره، ما يجعله عرضة لانهيار سريع بفعل ثلاثة عوامل رئيسية.

في الملف اللبناني، أعلنت باكستان أن الهدنة تشمل لبنان ومحيطه، غير أن بنيامين نتنياهو نفى ذلك بشكل صريح، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله. 

ويُعد هذا التباين تناقضاً جوهرياً، لا مجرد اختلاف في التقديرات، إذ إن استمرار الضربات في لبنان بالتزامن مع هدنة اسمية مع إيران قد يدفع طهران إلى الرد تحت ضغط داخلي وإقليمي متصاعد.

أما في مضيق هرمز، فقد وافقت إيران على إعادة فتحه، لكن ضمن ترتيبات منسقة مع قواتها المسلحة ووفق ما وصفتها بـ"قيود فنية"، مع فرض رسوم عبور تُقدّر بنحو مليوني دولار لكل سفينة، تُقسّم مع سلطنة عُمان. 

ويؤكد التقرير أن هذا النموذج لا يمثل حرية ملاحة، بل مروراً خاضعًا لشروط إيرانية، ما قد يُفسَّر من جانب واشنطن على أنه إخلال بالالتزامات، ويفتح الباب أمام انهيار الهدنة.

وفي الملف النووي، يبرز ما وصفه التقرير بـ"الغموض المتعمد"، إذ تتضمن النسخة الفارسية من الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر نصاً صريحاً على قبول التخصيب، في حين حُذفت هذه العبارة من النسخة الموجهة للدبلوماسيين الأجانب. 

ويرجّح التقرير أن يتحول هذا التباين إلى نقطة صدام حادة فور الدخول في مفاوضات تفصيلية في إسلام آباد.

ولفت التقرير إلى أن ادعاء الطرفين تحقيق النصر يوفر غطاءً سياسياً داخلياً مؤقتاً، إلا أن أول اختبار فعلي أو تنازل قسري قد يؤدي إلى زعزعة هذا التوازن الهش.

الضغط الداخلي مقابل الخارجي

يؤكد التقرير أن قبول إيران بوقف إطلاق النار جاء نتيجة تفاعل معقد بين الضغط العسكري الخارجي والهشاشة الداخلية، وليس بسبب هزيمة ميدانية مباشرة.

فعلى الصعيد العسكري، تعرضت البنية الدفاعية الإيرانية لضربات واسعة، شملت تدمير نحو 200 نظام دفاع جوي خلال 24 ساعة، واستهداف مواقع متعددة في غالبية المحافظات، إضافة إلى مقتل قيادات بارزة، بينهم علي خامنئي، وتراجع قدرات الصواريخ الباليستية.

لكن التقرير يشدد على أن القرار بقبول الهدنة لم يكن نتيجة فقدان القدرة القتالية، بل خشية من تصدع داخلي محتمل، خاصة في ظل أزمات اقتصادية حادة واحتجاجات سابقة أضعفت العقد الاجتماعي، وأرهقت المجتمع الإيراني.

ويبرز التقرير خلاصة محورية مفادها أن نقطة ضعف النظام لا تكمن في ترسانته العسكرية، بل في شرعيته الاجتماعية، معتبرًا أن تجاهل هذا العامل دفع واشنطن إلى تبني خيار عسكري دون مرافقة سياسية فعالة.

التأثير الداخلي على النظام

على المدى القصير، يرى التقرير أن وقف إطلاق النار عزز موقف النظام، مستفيداً من خطاب "الصمود"، حيث صُوِّر الاتفاق كدليل على فرض الشروط على واشنطن.

وأشار إلى أن هذه الرواية تلقى صدى داخلياً ليس بسبب تأييد النظام، بل نتيجة غياب بديل مقنع، خاصة في ظل الخطاب التصعيدي الذي اعتُبر تهديدًا للهوية الوطنية الإيرانية.

في المقابل، يحمّل التقرير المعارضة مسؤولية هذا الفراغ، مؤكداً فشلها في التمييز بوضوح بين استهداف النظام واستهداف الدولة، وهو ما منح النظام مساحة دعائية واسعة.

وعلى المدى المتوسط، يتوقع التقرير أن يؤدي استمرار التدهور الاقتصادي وتصاعد القمع إلى إضعاف النظام تدريجياً، مع بقاء فرص التغيير مرهونة بقدرة المعارضة على طرح مشروع بديل واقعي.

المسألة النووية

أفاد التقرير بأن إيران كانت تمتلك قبل النزاع نحو 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة من مستوى الاستخدام العسكري، مع قدرة تقنية تتيح إنتاج مواد كافية لسلاح نووي خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا.

ورغم الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت، أشار التقرير إلى أن البنية التحتية الأساسية، خصوصاً المنشآت المحصنة تحت الأرض مثل فوردو، لا تزال قائمة، مؤكداً أن المعرفة التقنية لا يمكن تدميرها بالقصف.

وطرح التقرير ثلاثة مسارات محتملة هي: تجميد التخصيب مقابل تخفيف العقوبات، تسريع التسلح كخيار ردعي، واستمرار الغموض الاستراتيجي دون تجاوز العتبة النووية، مشيراً إلى أن الحملة العسكرية ربما زادت من تعقيد حل الملف النووي بدلًا من تسهيله.

التوازن العسكري وإعادة تشكيل الإقليم

كما أشار التقرير أيضاً إلى أن الضربات أضعفت القدرات التقليدية لإيران، لكنها في المقابل كشفت عن تحول استراتيجي مهم، تمثل في إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى تعطيل نحو 20% من تدفقات النفط العالمية ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية.

ويبرز في هذا السياق تصريح يائير لابيد، الذي أقرّ بتأثير هذه الخطوة على التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

ويرى التقرير أن هذه التطورات أدت إلى إعادة تقييم واسعة للتحالفات الإقليمية، مع تزايد الشكوك حول قدرة الولايات المتحدة على ضمان الاستقرار.

وتواجه إسرائيل تحديات متزايدة، تشمل استنزاف قدراتها الدفاعية، واستبعادها من مسار التفاوض، وتصاعد الانتقادات الداخلية لحكومتها.

ديناميكيات القوى الكبرى

وأبرز التقرير الدور المحوري لكل من الصين وروسيا في إدارة الأزمة، مقابل تراجع الدور الأوروبي. موضحاً أن بكين ساهمت عبر شراكتها مع باكستان، في صياغة الإطار الدبلوماسي للهدنة، مدفوعة بحاجتها إلى تأمين إمدادات الطاقة عبر المضيق.

في المقابل، دعمت موسكو هذا التوجه، واستخدمت مع الصين حق النقض في مجلس الأمن ضد قرارات اعتُبرت منحازة، في سياق صراع أوسع على النفوذ الدولي.

تداعيات الطاقة والملاحة البحرية

كما أفاد التقرير بأن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران في أواخر فبراير أدى إلى تعطّل نحو 20% من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، في واحدة من أكبر الصدمات التي يشهدها سوق الطاقة خلال العقود الأخيرة.

وسجّل خام برنت ارتفاعاً تجاوز 111 دولاراً للبرميل قبل إعلان وقف إطلاق النار، قبل أن يتراجع بنسبة تراوحت بين 13 و15% ليستقر بين 93 و95 دولاراً، مسجلاً أكبر انخفاض يومي منذ حرب الخليج 1991، باستثناء التقلبات المرتبطة بجائحة كوفيد-19.

وأشار التقرير إلى أن التطور الأهم لا يكمن في تقلب الأسعار، بل في طبيعة الترتيبات الجديدة للملاحة، إذ لم توافق طهران على حرية المرور، بل على نموذج "مرور منسق" يخضع لإشراف قواتها المسلحة، مقابل رسوم عبور. 

ويرى أن هذه الخطوة تؤسس لسابقة استراتيجية طويلة الأمد، ستنعكس على تكاليف التأمين البحري، ومسارات الشحن، وخطط تنويع مصادر الطاقة عالمياً.

وبالنسبة لأوروبا ودول حلف شمال الأطلسي، يمثل هذا التطور ثاني اضطراب كبير في إمدادات الطاقة خلال أربع سنوات، بعد أزمة نورد ستريم، ما يعزز القناعة بأن الاعتماد على ممرات طاقة غير مستقرة يشكّل نقطة ضعف استراتيجية لا يمكن معالجتها بالقدرات العسكرية وحدها.

العقلانية الاستراتيجية لإيران

وأكد التقرير أن سلوك إيران يستند إلى منطق استراتيجي خاص بها، يختلف عن المفاهيم الغربية التقليدية، وهو منطق تشكّل عبر مزيج من الأيديولوجيا الثورية، والتجارب التاريخية، والعقيدة السياسية، مع أولوية قصوى للحفاظ على بقاء النظام.

ويرى أن الخطأ المتكرر لدى صانعي القرار الغربيين يكمن في الخلط بين "العقلانية" و"العقلانية الغربية"، إذ إن قرارات طهران، وإن بدت مكلفة ظاهرياً، تندرج ضمن حسابات استراتيجية متماسكة في سياق بيئتها الخاصة.

وفي هذا الإطار، اعتُبر إغلاق مضيق هرمز خطوة غير عقلانية من قبل بعض المحللين بسبب تأثيرها على الصادرات الإيرانية، غير أن التقرير يشير إلى أن اقتصاداً يخضع لعقوبات مشددة أصلاً لا يمتلك الكثير ليخسره، في حين أن الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة أمام مثل هذه الصدمات، ما يجعل الإجراء أداة ضغط فعالة في حرب اقتصادية غير متكافئة.

وأوضح التقرير أن المقترح الإيراني ذا النقاط العشر لا يمثل عرض تسوية نهائياً، بل قاعدة تفاوضية، بينما يُعد الغموض المتعمد في مسألة التخصيب - عبر اختلاف الصياغة بين النسختين الفارسية والدولية - تكتيكاً دبلوماسياً يتيح لطهران مخاطبة جمهورين مختلفين في آن واحد.

وحذر التقرير من أن سوء فهم هذا النمط من التفكير قد يؤدي إلى أخطاء استراتيجية متكررة، مؤكداً أن النظام الإيراني سيسعى إلى ضمان بقائه المؤسسي بكافة الوسائل.

ويمتد هذا المنطق إلى الداخل، حيث تُفسَّر سياسات القمع، بما في ذلك حملات الاعتقال والإعدامات، باعتبارها أدوات مدروسة لمواجهة الخطر الذي يراه النظام أكثر تهديداً من الضربات العسكرية، وهو بروز معارضة منظمة وذات مصداقية.

الطريق إلى الأمام

يخلص التقرير إلى أن القوة العسكرية، رغم قدرتها على إحداث دمار واسع، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي مستدام، مشدداً على أن تقويض شرعية الأنظمة يتطلب مساراً سياسياً موازياً.

ويطرح تساؤلاً محورياً حول ما إذا كان الوقت لا يزال متاحاً لتبني هذا المسار، مشيراً إلى أن الفرصة لم تُغلق بعد، لكنها تتقلص بسرعة.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء إطار معارضة موثوق ومتعدد الأطياف، يجمع بين القيادات السياسية، والمكونات العرقية، وممثلي المجتمع المدني، إضافة إلى شخصيات إصلاحية سابقة تتبنى تغييراً جذرياً في بنية النظام.

وأشار إلى أن مبادرات مثل مؤتمر حرية إيران تمثل نواة لهذا التوجه، لكنه يشدد على أن نجاح أي مسار مستقبلي مرهون بسرعة التحرك، والابتعاد عن حسابات المنفى، واعتماد خطاب صادق يعكس معاناة الداخل وتطلعاته.

ويختتم التقرير بالتأكيد أن اللحظة الراهنة تتطلب مواقف واقعية وشجاعة، تقوم على مصارحة الداخل والخارج بالحقائق، بعيدًا عن الخطابات المريحة، وبما يفتح الطريق أمام تغيير حقيقي ومستدام.