"بوابة الدموع" وصراع النفوذ.. هل ينهي باب المندب "الهدنة الهشة" بين واشنطن وطهران؟

اعتبرت "مجلة تايم" أن وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران يواجه اختباراً حقيقياً، في ظل تقارير تشير إلى استمرار سيطرة طهران على مضيق هرمز، رغم مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي بشكل كامل وفوري.

وبينما يواصل مسؤولون من الجانبين التفاوض على شروط إنهاء الحرب بصورة دائمة محتملة، مع بقاء قضايا جوهرية عالقة، من بينها حرية الملاحة في المضيق وآليات تطبيقها على المدى الطويل، يتصاعد القلق بشأن نقطة اختناق بحرية أخرى لا تقل أهمية، وفق تقرير تحليلي أعده الكاتب والمحلل تياجو فينتورا.

باب المندب ضمن دائرة التهديد

ويشير التقرير إلى أن مضيق باب المندب، الواقع بين اليمن وجيبوتي وإريتريا في القرن الإفريقي، بات ضمن دائرة التهديد، مع تلميحات صادرة عن مسؤولين إيرانيين.

فقد حذر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، خلال عطلة نهاية الأسبوع، من أن الولايات المتحدة تنظر إلى باب المندب كما تنظر إلى مضيق هرمز، قائلاً إن أي تكرار لما وصفها بالأخطاء سيقود إلى تعطيل تدفق الطاقة والتجارة العالمية بخطوة واحدة.

ولفت رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق، الذي يُعرف بـ«بوابة الدموع» بسبب صعوبة الملاحة فيه، متسائلاً عن حجم مرور شحنات النفط والغاز والسلع الأساسية عبره، والدول والشركات الأكثر اعتماداً عليه.

ومع اندلاع الحرب، سارعت شركات شحن دولية إلى تعديل مساراتها بعيداً عن باب المندب وقناة السويس، حيث أعلنت شركة ميرسك تعليق عبور سفنها عبر المضيق مؤقتاً لأسباب أمنية.

وتزداد تعقيدات المشهد بالنظر إلى أن أحد جانبي المضيق يخضع لسيطرة مليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن.

باب المندب.. نقطة محورية

وفي هذا السياق، أشار المسؤول العسكري اليمني، عابد الثوري، في أواخر مارس، إلى أن إغلاق المضيق يظل خياراً مطروحاً رداً على أي تصعيد، مؤكداً أن مليشيا الحوثي قد تستخدم هذه الورقة عبر استهداف الملاحة وفرض حصار بحري وجوي.

وسبق لمليشيا الحوثي أن عطلت حركة الملاحة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، حيث بدأت منذ عام 2023 بشن هجمات صاروخية على سفن، بالتزامن مع اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، ما أدى إلى اضطراب واسع في خطوط الشحن.

ومع بلوغ التوترات في الشرق الأوسط مستويات حرجة، يبرز باب المندب مجدداً كنقطة محورية لفهم تداعيات أي تصعيد محتمل على التجارة العالمية.

ويربط المضيق البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويبلغ عرضه نحو 18 ميلاً في أضيق نقاطه، ويُعد ممراً رئيسياً لشحنات النفط المتجهة من الخليج العربي إلى أوروبا وبقية الأسواق.

ويؤكد خبراء أن المضيق يشكل نقطة اختناق استراتيجية، تمر عبرها ناقلات النفط وسفن الحاويات بين قارات مختلفة.

وخلال نوفمبر 2023، بدأت هجمات الحوثيين على السفن التجارية تؤثر بشكل مباشر على تدفقات التجارة، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

استمرار المخاوف الأمنية

وتُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع حجم النفط العابر للمضيق من 5.7 مليون برميل يومياً في 2020 إلى 9.3 مليون في 2023، قبل أن ينخفض إلى 4.1 مليون في 2024، ويستقر عند 4.2 مليون خلال الربع الأول من 2025، نتيجة المخاطر الأمنية.

وتصف إميلي هولاند، المتخصصة في شؤون الطاقة، تأثير تلك الهجمات بأنه بالغ التدمير، موضحة أن التهديد لا يتمثل فقط في الاستهداف المباشر للسفن، بل في خلق حالة ردع تجعل شركات الشحن عاجزة عن الحصول على التأمين، ما يدفعها لتجنب المرور عبر المضيق.

وتقول إن هذه الهجمات كانت بمثابة إشارة سوقية قوية على قدرة مليشيا الحوثي على التعطيل، حتى دون تنفيذ هجمات مستمرة.

وقد بررت المليشيا الحوثية عملياتها بأنها تأتي دعماً للقضية الفلسطينية، بينما أفادت إدارة الشؤون البحرية الأمريكية أن الهجمات استهدفت سفناً مرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.

ورغم الإعلان عن وقف الهجمات بعد هدنة أكتوبر 2025 بين إسرائيل وحماس، إلا أن حركة نقل النفط عبر باب المندب لم تشهد تعافياً ملحوظاً، بسبب استمرار المخاوف الأمنية.

 

باب المندب.. ورقة ضغط جيوسياسية

وفي ما يتعلق بالتهديدات الإيرانية، يشير التحليل إلى أن طهران قد تستخدم باب المندب كورقة ضغط جيوسياسية، على غرار مضيق هرمز، في حال تصاعد الصراع.

ونقل عن مصدر إيراني رفيع أن حلفاء طهران قد يلجأون إلى إغلاق المضيق إذا خرجت الأوضاع عن السيطرة.

لكن خبراء يرون أن القدرة المباشرة لإيران في المنطقة محدودة، ما يعني اعتمادها على وكلاء إقليميين لتنفيذ مثل هذه التهديدات.

وفي هذا الإطار، أعلنت مليشيا الحوثي دخولها الحرب إلى جانب إيران، عبر إطلاق صواريخ باتجاه جنوب إسرائيل في أواخر مارس الماضي.

وترى هولاند أن إيران قد تدفع الحوثيين لتكثيف هجماتهم إذا واجه النظام الإيراني تهديداً وجودياً، مؤكدة أن الدعم العسكري والمالي والأيديولوجي بين الطرفين قائم.

باب المندب.. ممر حيوي

ورغم تراجع حركة الملاحة، يظل باب المندب ممراً حيوياً، خاصة مع تحويل مسارات النفط، بما في ذلك النفط السعودي المنقول عبر البحر الأحمر، إضافة إلى دوره في صادرات النفط الروسية نحو آسيا.

ويحذر خبراء من أن أي اضطراب كبير في المضيق سيؤدي إلى تداعيات واسعة على اقتصادات المنطقة، خصوصاً الدول المعتمدة على تصدير النفط.

كما سيزيد ذلك من الضغوط على الاقتصاد العالمي، مع تقييد حركة السلع عبر أهم نقاط الاختناق البحرية.

ويؤكد التحليل أن إيران لم تغلق المضيق بشكل مباشر من قبل، رغم نفوذ الحوثيين المتزايد منذ 2023.

وكانت طهران قد أرسلت قطعاً بحرية إلى المنطقة في 2015، بدعوى حماية الملاحة، في مؤشر على اهتمامها بالممر.

وتصف تقارير دولية العلاقة بين إيران والحوثيين بأنها شراكة قائمة على الولاء العقائدي، رغم تأكيد الطرفين استقلالية العلاقة.

ويشير خبراء إلى احتمال تكرار سيناريو إغلاق المضيق كما حدث في 2024، في حال تصاعد الصراع.

استهداف الطاقة جزء من الحرب

أما تأثير إغلاق المضائق البحرية على أسواق الطاقة، فقد وصفه التحليل بأنه شديد الخطورة، حيث أدى تقييد الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 115 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع لاحقاً.

وترى هولاند أن استهداف الطاقة بات جزءاً من أدوات الحرب الحديثة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.

وفي حال تعرض باب المندب لاضطرابات مماثلة، فإن ذلك سيعمّق أزمة الطاقة العالمية القائمة.

ورغم وقف إطلاق النار، لا تزال ضغوط الإمدادات مستمرة، وسط تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد، خاصة على الدول الفقيرة التي قد تُقصى من السوق بسبب ارتفاع الأسعار.

وأشارت هولاند إلى أن إعادة فتح المضائق لا تعني انتهاء الأزمة، إذ ستبقى آثارها ممتدة، نظراً لطبيعة سوق النفط العالمية التي تتأثر بها جميع الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة.