طهران في المنعطف الأخير.. كيف يدير أحمد وحيدي دولة العسكر خلف ستار "المرشد الغامض"؟

أدت عملية "الغضب الملحمي" إلى تعميق التوترات في الشرق الأوسط، وسط هدنة هشة، وإغلاق مستمر لمضيق هرمز، وتقدم محدود في ملف البرنامج النووي الإيراني.

وبعد مقتل شخصيات بارزة في القيادة الإيرانية، تحولت الأسئلة الأساسية في المفاوضات بين طهران وواشنطن وحلفائهما من طبيعة المقترحات المطروحة إلى مسألة أكثر حساسية: من يملك القرار الحقيقي داخل إيران؟ وما المسار المحتمل إذا انهارت فرص التسوية السياسية؟

وبحسب تقرير تحليلي أعده الأستاذ الفخري لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا، أماتزيا بارام، ونشره منتدى الشرق الأوسط، فإن الحرس الثوري الإيراني بات يمسك فعلياً بمركز السلطة في البلاد، رغم استمرار رجال الدين والسياسيين في أداء أدوار مؤثرة في مسار التفاوض.

ويرى التقرير أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي، إلى جانب تشدد طهران في المفاوضات، تعكس نفوذاً واسعاً للجناح الأكثر تشدداً داخل القيادة الإيرانية، وإن كان البراغماتيون لا يزالون حاضرين في المشهد، لكن دون قدرة كافية لفرض تسوية سياسية مرنة.

ويُقدَّر عدد قوات الحرس الثوري بما بين 150 ألفاً و190 ألف عنصر، منفصلين عن الجيش النظامي، إضافة إلى سيطرتهم على نحو مليون عنصر من قوات الباسيج.

وبعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، برز اللواء أحمد وحيدي ودائرته المقربة، التي تضم كبار قادة الحرس الثوري، باعتبارهم أصحاب القرار الأبرز في إيران.

ويشير التقرير إلى أن صورة الحرس الثوري في التحليلات الغربية غالباً ما تُختزل باعتباره تنظيماً عقائدياً مستعداً للتضحية المطلقة دفاعاً عن الثورة، إلا أن الوقائع التاريخية، وفق التقرير، تقدم صورة أكثر تعقيداً.

فخلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، خاض الحرس الثوري معارك ضارية، وشهدت الحرب إرسال آلاف الأطفال إلى جبهات القتال في هجمات جماعية، أحياناً دون أسلحة.

ومع ذلك، عندما وافق آية الله روح الله الخميني عام 1988 على وقف إطلاق النار مع العراق، قبل الحرس الثوري القرار دون اعتراض، بل إن بعض قادته كانوا من الداعين لإنهاء الحرب.

كما قبل الحرس الثوري لاحقاً قرار علي خامنئي بالتفاوض مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي، ثم وافق على الاتفاق النووي عام 2015، ما يعكس، بحسب التقرير، أن قراراته تُبنى في نهاية المطاف على حسابات المصلحة وبقاء النظام، لا على الاندفاع العقائدي وحده.

ويصف التقرير اللواء أحمد وحيدي، الذي تولى قيادة الحرس الثوري في مارس 2026، بأنه من أبرز رموز التيار المتشدد.

ويقول إنه أمر بشن هجمات على دول الخليج العربي، قبل أن يعتذر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لتلك الدول ويتعهد بعدم تكرارها، غير أن وحيدي وبّخ الرئيس بشدة، لتُستأنف الهجمات بوتيرة أعنف.

ويُعتقد أن وحيدي من الشخصيات القليلة القادرة على الوصول مباشرة إلى مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، ما يعزز مكانته كأحد أبرز صناع القرار في البلاد.

ويربط التقرير بين خلفية وحيدي في "فيلق القدس" وتمسكه بضرورة شمول وقف إطلاق النار مع "حزب الله" خلال حرب 2026، باعتبار التخلي عن الحلفاء الإقليميين أمراً غير مقبول بالنسبة له. لكن الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة دفعت إيران في النهاية إلى الدخول في مفاوضات، مع ظهور بصمات وحيدي بوضوح على الطروحات الإيرانية.

ويقول التقرير إن المصلحة الأساسية للحرس الثوري تتمثل في بقاء النظام، لكن بشرط الحفاظ على امتيازاته وموقعه المهيمن داخله. غير أن التفوق الجوي الإسرائيلي فوق طهران واغتيال قيادات بارزة شكلا، بحسب التقرير، ضربة مهينة للحرس الثوري، وأضعفا صورته كحامٍ للثورة في نظر كثير من الإيرانيين.

ومن هنا، يرى التقرير أن الحرس الثوري بات يبحث عن "إعلان نصر" يمنع تعرضه لإهانة جديدة ويحافظ على مكانته الداخلية.

أربعة أهداف رئيسية

ويحدد التقرير أربعة أهداف رئيسية للحرس الثوري: أولها رفض تقديم تنازلات فورية في الملف النووي، وثانيها إنهاء العقوبات والحصار الغربي لإنعاش الاقتصاد، وثالثها الحصول على ضمانات بوقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، ورابعها تكريس اعتراف عملي بسيطرة إيران على مضيق هرمز.

ويضيف أن طهران تعتبر أن السيطرة الفعلية على المضيق تحققت بالفعل، مع اضطرار عشرات السفن التجارية إلى التنسيق المباشر مع السلطات الإيرانية لعبور الممر البحري.

أما المطالب الأخرى، مثل التعويضات المالية عن الحرب، والاعتراف الأمريكي الرسمي بالسيادة الإيرانية على المضيق، وإخلاء القواعد الأمريكية من الخليج العربي، فيراها التقرير أقرب إلى رسائل تحدٍّ سياسي منها إلى أهداف قابلة للتحقق.

وفي ما يتعلق بالمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، يقول التقرير إنه كان بعيداً عن الأضواء قبل توليه المنصب عقب مقتل والده، لكنه يُعرف داخل الأوساط الإيرانية بأنه أكثر تشدداً.

ويشير التقرير إلى غموض يحيط بوضعه الصحي، بل وحتى بمصيره، لكنه يؤكد أن ذلك لا يغير كثيراً في طبيعة المشهد، لأن القرار الفعلي بات بيد قيادة الحرس الثوري.

وفي الثامن من مارس 2026، أعلن مجلس الخبراء انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى "بالإجماع"، قبل أن يكشف مسؤول إيراني رفيع بعد أيام أن المرشد الجديد رفض مقترحات لخفض التصعيد، وطالب بـ"إخضاع" الولايات المتحدة وإسرائيل.

ورغم ذلك، يؤكد التقرير أن شرعية النظام لا تزال مرتبطة بمنصب المرشد الأعلى ومبدأ "ولاية الفقيه"، الذي يمنح المرشد سلطة دينية وسياسية مطلقة بوصفه ممثلاً للمهدي المنتظر في العقيدة الشيعية الرسمية للنظام.

ويتناول التقرير ما يعرف بـ"بيت رهبري"، وهو المكتب الإداري والسياسي للمرشد الأعلى، الذي دمرته غارات إسرائيلية في فبراير 2026. ويشير إلى أن هذا الجهاز كان يضم آلاف الموظفين وعشرات الآلاف من الوكلاء داخل مؤسسات الدولة، ويُعد الأداة الرئيسية لمراقبة مؤسسات الحكم وإدارة النفوذ السياسي.

وبرغم تدمير مقره ومقتل عدد من العاملين فيه، يقول التقرير إن الجهاز لا يزال يؤدي دوراً مؤثراً في إدارة الدولة.

ويبرز التقرير أيضاً دور محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري والمستشار المقرب من مجتبى خامنئي وأحمد وحيدي، باعتباره من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل دوائر القرار.

ورغم سمعته المتشددة، يلفت التقرير إلى أن رضائي سبق أن دعا عام 1988 إلى إنهاء الحرب مع العراق، ما يشير إلى امتلاكه قدراً من البراغماتية السياسية عند الضرورة.

وفي مارس 2026، قال رضائي إن إنهاء الحرب مرهون بحصول إيران على تعويضات كاملة وضمانات شاملة، بينها انسحاب الولايات المتحدة من الخليج العربي، وهو ما يعكس، وفق التقرير، سقف المطالب الإيرانية القصوى في المفاوضات.

ويشير التقرير إلى أن "قيادة خاتم الأنبياء المركزية" أصبحت منذ عام 2016 حلقة الوصل العليا بين الجيش النظامي والحرس الثوري، وأن أي عملية عسكرية كبرى، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز أو الهجمات على الخليج وإسرائيل، لا يمكن تنفيذها دون موافقتها.

وبعد مقتل قادتها خلال حرب يونيو 2025، تولى اللواء علي عبد الله علي آبادي قيادتها، بمساعدة العميد محمد جعفر أسدي، وكلاهما من قادة الحرس الثوري السابقين ومن المحاربين القدامى في الحرب العراقية الإيرانية.

ويسلط التقرير الضوء على المجلس الأعلى للأمن القومي باعتباره أعلى هيئة تخطيط سياسي وأمني في إيران، رغم تراجع نفوذ التيار الإصلاحي داخله بعد اغتيال علي خامنئي.

ويضم المجلس شخصيات توصف بالبراغماتية، مثل الرئيس مسعود بيزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب شخصيات متشددة مثل محمد باقر ذو القدر ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي.

لكن التقرير يرى أن دور الرئيس ووزير الخارجية ورئيس البرلمان أصبح هامشياً مقارنة بنفوذ الحرس الثوري، رغم استمرار النظام في إبرازهم كواجهة تمثل "الإرادة الشعبية" للحفاظ على صورة الجمهورية الإسلامية ومنع ظهور النظام كسلطة عسكرية صريحة.

ويقول التقرير إن الحرس الثوري يحتاج إلى هذه الواجهة السياسية للحفاظ على شرعيته أمام ما بين 20 و40 بالمئة من الإيرانيين الذين لا يزالون يدعمون النظام، لأن غيابها سيعزز الانطباع بأن البلاد شهدت انقلاباً عسكرياً فعلياً.

وفي البرلمان الإيراني، يهيمن التيار المتشدد، خاصة "جبهة الثبات"، التي تُعد أكثر الأحزاب تشدداً وتشغل نحو 27 بالمئة من المقاعد. وقاد زعيمها سعيد جليلي احتجاجات ضد المفاوضات مع الولايات المتحدة عقب وقف إطلاق النار، وسط اعتقاد واسع بأن مجتبى خامنئي كان داعماً رئيسياً لهذا التيار.

ويرجح التقرير أن تعود الولايات المتحدة إلى خيار القوة لإعادة فتح مضيق هرمز، مع توقع أن ترد إيران باستهداف الإمارات وربما السعودية والبحرين، انطلاقاً من مبدأ "التصعيد مقابل التصعيد".

تهديد إيراني الخليج

وحذر التقرير من أن أي هجوم واسع على البنية التحتية الإيرانية قد يدفع الحرس الثوري إلى استهداف منشآت النفط والبنى المدنية في الخليج وإسرائيل، إضافة إلى تهديده بقطع كابلات الاتصالات البحرية في مضيق هرمز.

واشار التقرير أيضاً إلى أن طهران تهدد بإعادة تفعيل هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، محذراً من أن أي تصعيد من هذا النوع قد يسبب أضراراً جسيمة للاقتصاد العالمي.

وفي المقابل، يلفت التقرير إلى أن إيران نفسها ستواجه أزمات داخلية خانقة، تشمل نقصاً حاداً في الكهرباء والوقود والمياه، في ظل تدهور اقتصادي متفاقم حتى قبل اندلاع الحرب.

ويطرح التقرير سيناريو آخر يتمثل في استمرار الحصار الأمريكي على مضيق هرمز دون مواجهة عسكرية مباشرة، مع رهان كل طرف على قدرة الآخر على الصمود.

سيناريو قاس

لكن التقرير يرى أن هذا السيناريو سيكون أكثر قسوة على إيران، لأن النظام لن يتمكن من حماية ملايين المؤيدين والموظفين والعسكريين من تداعيات الانهيار الاقتصادي لفترة طويلة.

ورغم ذلك، يستبعد التقرير أن يقدم الحرس الثوري على "انتحار سياسي"، مشيراً إلى أن سلوكه التاريخي يوحي بأنه يبحث في اللحظات الحرجة عن تسويات تحفظ ماء الوجه وتمنع انهيار النظام.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى معلومات تحدثت عن استعداد إيران لتسليم اليورانيوم المخصب ووقف التخصيب لمدة 15 عاماً، في حال التوصل إلى اتفاق يضمن رفع الضغوط عنها.

ويرى التقرير أن تمرير مثل هذه التنازلات سيتطلب تفعيل مبدأ "المرونة البطولية" الذي استخدمه علي خامنئي سابقاً لتبرير التفاوض، وربما تحميل الرئيس ووزير الخارجية ورئيس البرلمان مسؤولية تقديم التنازلات للرأي العام.

ومع ذلك، يعتبر التقرير أن احتمال حدوث تغيير جذري داخل النظام الإيراني، يسمح بصعود تيار معتدل يتخلى عن الطموحات النووية والإقليمية، لا يزال ضعيفاً في الوقت الراهن.

وأشار التقرير في نهايته إلى أن استمرار الحصار والضغوط الاقتصادية، في ظل الفساد والأعباء العسكرية والإنفاق الأمني المرتفع، قد يدفع البلاد خلال سنوات قليلة، وربما أشهر، إلى موجة احتجاجات واسعة، خاصة إذا رفضت قوات الباسيج تنفيذ أوامر إطلاق النار على المتظاهرين.