الحقيقة تحت الجبال.. تقرير يكشف الأسرار المالية والعسكرية لمدن إيران الصاروخية
أفاد تقرير تحليلي نشره منتدى الشرق الأوسط بأن الرد الإيراني على الحملة الجوية الأمريكية–الإسرائيلية في مارس 2026 كشف عن حجم القدرات الصاروخية لطهران وقدرتها على الصمود، مشيراً إلى أن تقويض هذه المنظومة تطلّب تنفيذ آلاف الطلعات الجوية ومئات الضربات التي استهدفت مواقع مرتبطة بالصواريخ.
ويوضح التقرير، الذي أعده الصحفي ماردو سوغوم، أن البنية التحتية الصاروخية الإيرانية تتسم بضخامة غير مسبوقة، إذ يقع جزء كبير منها تحت الأرض.
ويشير إلى أن أحد المواقع جنوب غرب مدينة يزد شُيّد داخل جبل من الجرانيت، وتصل بعض أجزائه إلى عمق يقارب 1500 قدم، ويضم شبكة أنفاق يُعتقد أنها مهيأة لنقل الصواريخ إلى منصات الإطلاق ثم إعادتها إلى ممرات تحت الأرض. ورغم تعرض الموقع لقصف متكرر، إلا أن بنيته الأساسية ظلت قائمة.
تخصيص المواد للبرنامج الصاروخي
ويتحدث التقرير عن موقع رئيسي آخر بين طهران ومدينة كراج، تُظهر صور الأقمار الصناعية أنه يمتد على مساحة تقارب حجم كراج نفسها، وهي مدينة يقطنها نحو مليوني نسمة.
وتشير التقديرات إلى أن إيران تمتلك نحو عشر مدن صاروخية رئيسية، إضافة إلى ما لا يقل عن 17 قاعدة أخرى.
وتتركز هذه المواقع في غرب البلاد، بما يتيح سرعة الوصول إلى إسرائيل، وكذلك في الجنوب بمحاذاة الخليج العربي.
ويُعتقد أن هذه المنشآت تحتوي على ما بين 2500 و6000 صاروخ باليستي، إلى جانب عدد غير محدد من صواريخ كروز والصواريخ المضادة للسفن وأنظمة قصيرة المدى.
ولسنوات، عرض الحرس الثوري الإيراني مشاهد من هذه المنشآت تحت الأرض، إلا أن كثيراً من الإيرانيين اعتبروها دعاية، إلا أن التطورات الأخيرة، بحسب التقرير، أظهرت أن تلك المنشآت حقيقية وليست مجرد استعراض إعلامي.
وأشار التقرير إلى أن التقديرات السابقة كانت تحدد مدى الصواريخ الإيرانية بنحو 1500 ميل، وهو ما يكفي لاستهداف إسرائيل، لكن إطلاق صواريخ باتجاه قاعدة مشتركة للولايات المتحدة وبريطانيا في دييغو غارسيا، التي تبعد أكثر من 2600 ميل، يدل على امتلاك طهران صواريخ بعيدة المدى، ما يضع أجزاء واسعة من أوروبا ضمن نطاقها.
وأدى هذا التطور إلى تصاعد الانتقادات داخل إيران، حيث يزداد استياء المواطنين من حجم الموارد المخصصة للبرنامج الصاروخي في ظل تدهور الاقتصاد خلال العقدين الماضيين، لا سيما منذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018 بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.
ورغم الضغوط الاقتصادية، استمرت السلطات في إعطاء الأولوية للقدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي.
شبكات اقتصادية واسعة
ويؤكد التقرير أن تكلفة البنية التحتية الصاروخية مرتفعة للغاية، إذ قد تصل كلفة حفر كيلومتر واحد من الأنفاق في الصخور الصلبة إلى عشرات الملايين من الدولارات، وترتفع أكثر مع التحصينات العسكرية.
ويُقدّر أن أحد المجمعات الكبرى، الذي يمتد لعشرات الأميال من الأنفاق، قد كلف ما لا يقل عن أربعة مليارات دولار، فيما قد يتجاوز إجمالي الإنفاق على 27 منشأة تحت الأرض مئة مليار دولار، دون احتساب تكاليف تطوير وإنتاج الصواريخ.
ولا توجد أرقام رسمية شاملة لتكلفة البرنامج الصاروخي، إلا أن التقرير يرجح أن إيران خصصت نحو 30% من إنفاقها العسكري خلال العقود الثلاثة الماضية لهذا المجال.
كما أن ميزانية الدفاع المعلنة، التي تتراوح بين 7 و8 مليارات دولار سنويًا، لا تعكس الحجم الحقيقي للإنفاق، في ظل اعتماد الحرس الثوري على موارد موازية تشمل عائدات النفط وشبكات اقتصادية واسعة.
ووفقاً للتقرير، خُصص للحرس الثوري في أحدث ميزانية ما يصل إلى 600 ألف برميل نفط يومياً للتصدير، ما قد يوفر عائدات تصل إلى نحو 15 مليار دولار سنوياً.
وبناءً على تقديرات متحفظة، قد يبلغ الإنفاق السنوي المرتبط بالحرس الثوري نحو 18 مليار دولار، يذهب ثلثها تقريباً إلى البرنامج الصاروخي، ما يرفع حجم الاستثمار التراكمي خلال ثلاثة عقود إلى ما بين 200 و300 مليار دولار.
ويشير التقرير إلى أن إيران حققت خلال الفترة نفسها نحو 1.4 تريليون دولار من صادرات النفط، ما يعني أن نسبة كبيرة من هذه الإيرادات خُصصت لتطوير القدرات الصاروخية والبنية التحتية المرتبطة بها.
ويخلص التقرير إلى أن البرنامج الصاروخي يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تشمل البرنامج النووي وشبكات النفوذ الإقليمي والأمن الداخلي، وهي سياسات ترافقت مع عقوبات دولية أثّرت سلبًا على النمو الاقتصادي.
ويبرز هذا التوجه، بحسب التقرير، مفارقة لافتة، إذ تمتلك إيران موارد طبيعية ضخمة، بينها احتياطيات نفطية كبيرة وثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، إلا أن مستويات المعيشة شهدت تراجعاً، في ظل توجيه موارد كبيرة إلى برامج استراتيجية بعيدة عن الاقتصاد المدني.