فاتورة العبور.. هل تنجح واشنطن في كسر "الهيمنة البحرية" لإيران؟ (تحليل)

قالت الكاتبة نعوم ريدان، في تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن واشنطن، إذا أرادت تهدئة الأسواق وتسريع تحقيق أهدافها في قطاع الطاقة، ستحتاج إلى إيجاد آلية فعالة لمعالجة أزمة النقل البحري التي تستغلها طهران بوضوح في مضيق هرمز وما وراءه.

وأضافت أن إيران فرضت نفسها سريعاً منذ اندلاع الحرب كجهة مهيمنة على حركة الملاحة في المضيق الضيق، ما أجبر العديد من السفن على البقاء عالقة في الخليج العربي، ودفع أخرى إلى التردد في دخول المنطقة، إلى جانب استهداف السفن التجارية والبنية التحتية للطاقة الساحلية لتأكيد سيطرتها. 

وقالت إن الحفاظ على هذا الوضع يمثل أحد أقوى أدوات الضغط لدى طهران، مع تداعيات عالمية متسارعة "متوقعة وقابلة للقياس".

وأشارت إلى أنه بين يناير/كانون الثاني وبداية الحرب، بلغ متوسط شحن النفط في الخليج نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام غير الإيراني والمكثفات والمنتجات النفطية، وفق بيانات شركة كيبلر، لافتة إلى أنه رغم إعادة توجيه بعض الشحنات، فإن الجزء الأكبر منها أصبح خاضعاً فعلياً لتأثير طهران. وينطبق ذلك أيضاً على صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تمثل نحو 20% من الإمدادات العالمية.

خيارات واشنطن المحدودة

وذكرت ريدان أن إدارة الرئيس دونالد ترامب سعت إلى احتواء الأزمة عبر إصدار ترخيص مؤقت يسمح بشراء النفط الإيراني المحمول بالفعل على ناقلات في البحر، لكنها اعتبرت أن هذه الحلول لا يمكن أن تعوض التدفقات الضخمة للطاقة من الخليج.

وأضافت أن واشنطن ضغطت كذلك لتأمين مرافقة بحرية متعددة الجنسيات في المضيق لطمأنة شركات الشحن، إلا أن الاستجابة الدولية كانت متفاوتة، حيث فضلت بعض الدول، مثل الهند واليابان، التواصل مباشرة مع طهران لضمان مرور آمن لشحناتها، رغم اعتمادها الكبير على نفط الخليج. واعتبرت أن هذا التوجه يعزز موقع إيران كقوة تفاوضية حتى بعد انتهاء الحرب.

انتقائية في السماح

وحول التساؤل "ما الذي تسمح إيران بمروره عبر المضيق؟"، أوضحت الكاتبة أنه حتى 20 مارس/آذار، كانت الناقلات المرتبطة بإيران الأكثر نشاطاً في عبور المضيق، مقابل تباطؤ ملحوظ في حركة السفن الأخرى.

وأظهرت بيانات كيبلر Kpler أنه بين 5 و20 مارس، عبر ما لا يقل عن 28 ناقلة مرتبطة بإيران المضيق في الاتجاهين، من بينها ثماني ناقلات خلال الأسبوع الأخير، مشيرة إلى أن بعض هذه السفن يتجه إلى نقاط نقل قبالة ماليزيا قرب مضيق سنغافورة لإعادة تصدير الشحنات، غالباً إلى الصين.

ومن بين هذه السفن، ناقلة نورا (IMO 9237539)، التي يُعتقد أنها حملت نحو مليوني برميل في جزيرة خارج في 7 مارس، مع إيقاف نظام التعريف الآلي AIS، قبل أن تعبر المضيق في 15 مارس بمحاذاة الساحل الإيراني وصولاً إلى تشابهار ثم إلى بحر العرب.

وقالت إن أسباب هذا السلوك الملاحي غير المعتاد لا تزال غير واضحة، سواء كانت مرتبطة بمخاوف من الاستهداف أو الاحتجاز، في وقت تحدثت فيه تقارير عن احتمال زرع ألغام في أجزاء من المضيق، دون أدلة مؤكدة، وهو ما نفاه مسؤولون أمريكيون. 

ومع ذلك، أظهرت بيانات MarineTraffic أن وجهة “نورا” كانت الصين، ما يشير إلى استمرار تدفق الصادرات الإيرانية إلى أحد أهم عملائها.

مسارات غير معتادة

وأشارت ريدان إلى أن ما لا يقل عن ثماني ناقلات غير مرتبطة بإيران عبرت المضيق خلال الفترة نفسها، من بينها ناقلة باكستانية حملت النفط من الإمارات إلى باكستان.

وأضافت أن بعض هذه السفن سلكت مسارات غير معتادة، من بينها الالتفاف حول جزيرة لاراك الإيرانية قبل مغادرة المضيق، وهو ما اعتبرته مؤشراً على فرض ترتيبات جديدة، رغم عدم وضوح أسبابها.

وتحدثت تقارير عن مطالبة بعض السفن بدفع رسوم عبور، في ظل سعي طهران لترسيخ دورها في التحكم بتوقيت وآلية استئناف الملاحة.

وفي ما يتعلق بغاز البترول المسال، ذكرت أن أربع ناقلات مرتبطة بالهند عبرت المضيق منذ منتصف مارس، مع توقع المزيد، مشيرة إلى أن الهند من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب، إذ تستورد نحو 80% من احتياجاتها، معظمها من الخليج.

وأضافت أن الهند وباكستان بدأتا توفير مرافقة بحرية لسفنهما فور خروجها من المضيق، مع توقع أن تحذو دول أخرى حذوهما.

وفي سياق متصل، قالت إن العراق، ثاني أكبر منتج في "أوبك"، يعتمد على عائدات النفط بنسبة تقارب 90% من ميزانيته، وقد طلب إعفاءً من طهران لمرور صادراته، في وقت أعلن فيه حالة القوة القاهرة على حقول تديرها شركات أجنبية.

وأشارت إلى غياب ناقلات الغاز الطبيعي المسال عن المضيق منذ 28 فبراير، بما في ذلك صادرات قطر، بعد تعرض مجمع رأس لفان لأضرار جسيمة جراء ضربة صاروخية إيرانية في 18 مارس، رداً على هجوم إسرائيلي استهدف منشآت غاز إيرانية.

وأضافت أن تسع سفن بضائع جافة على الأقل شوهدت تدخل وتغادر الخليج منذ 15 مارس، من بينها سفينة مملوكة لشركة يونانية عبرت المضيق عبر مسار التفافي حول جزيرة لاراك، إلى جانب سفن أخرى بعضها مرتبط بإيران.

هرمز كأداة مضاعفة للقوة

ورأت الكاتبة أن تعطيل الأنشطة البحرية في الخليج يسمح لإيران بممارسة ضغوط متزامنة على أنظمة إقليمية وعالمية، حيث يؤدي تعطل الشحن إلى خفض الإنتاج والتكرير بسبب قيود التخزين، ما ينعكس على كامل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة.

وأضافت أن طهران تسعى لإطالة أمد هذه التداعيات حتى تحقيق اختراق دبلوماسي، مشيرة إلى أن استهداف مجمع رأس لفان يمثل مثالاً بارزاً، خاصة مع مشاركة شركة إكسون موبيل في المشروع.

ونقلت عن سعد الكعبي أن الهجوم أدى إلى تدمير 17% من القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال في قطر، ما يهدد الإمدادات لآسيا وأوروبا لسنوات.

وحذرت من أن أي ضربات إضافية للبنية التحتية الإيرانية قد تؤدي إلى تصعيد كبير، بما يشمل استهداف خطوط أنابيب رئيسية مثل خط شرق-غرب السعودي إلى ينبع، وخط أبوظبي إلى الفجيرة، إضافة إلى منشآت الطاقة في شمال العراق.

كما أشارت إلى احتمال أن تطلب طهران من الحوثيين تعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق باب المندب، ما قد يؤثر على صادرات النفط السعودية إلى آسيا، رغم عدم وضوح مدى استعداد الحوثيين لذلك.

وأشارت ريدان إلى أن تحقيق أهداف واشنطن في مجال الطاقة، وفق ما أعلنه وزير الخزانة سكوت بيسنت، يتطلب تهدئة الأزمة البحرية أولاً ثم الدفع نحو حل دبلوماسي، عبر تعاون وثيق مع شركاء الخليج لمعالجة التحديات الأمنية في مضيق هرمز.

وأضافت أن استمرار الحرب سيعزز اعتماد دول آسيوية على التفاوض المباشر مع إيران لضمان مرور شحناتها، بدلاً من الانخراط في ترتيبات أمنية تقودها الولايات المتحدة، محذرة من أن إطالة أمد الأزمة قد تدفع مزيداً من الدول إلى إبرام تفاهمات جانبية مع طهران، ما يعزز نفوذها في قطاعي الطاقة والنقل البحري.