كلفة "الاستسلام غير المشروط": جنرال أمريكي يحذر من غرق واشنطن في رمال إيران المتحركة
حذّر مسؤول عسكري أمريكي رفيع سابق من أن الدعوات إلى استسلام غير مشروط لإيران قد تجر الولايات المتحدة إلى احتلال عسكري طويل ومكلف، مستنداً إلى تجارب تاريخية شهدت تدخلاً أمريكياً واسع النطاق عقب مثل هذه الاستسلامات.
وقال العميد المتقاعد في الجيش الأمريكي مارك كيميت، الذي شغل سابقاً منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، في مقال تحليلي نشرته مجلة ناشونال إنترست، إن التاريخ الأمريكي يظهر أن الاستسلام غير المشروط غالباً ما أعقبه وجود عسكري طويل لإعادة تشكيل الدول المهزومة.
وأشار كيميت إلى أن صحيفة وول ستريت جورنال ذكرت في 13 مارس/آذار أن الرئيس دونالد ترامب أمر بإرسال مجموعة برمائية تضم نحو 5 آلاف من مشاة البحرية والبحارة وعدداً من السفن الحربية إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعزز الهدف المعلن للحرب مع إيران والمتمثل في إجبارها على الاستسلام غير المشروط.
وأوضح أن هذا النوع من الاستسلامات ارتبط تاريخياً بلحظات مفصلية في الحروب الأمريكية، مثل استسلام قوات الجنوب في نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، واستسلام اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية، واستسلام ألمانيا النازية. لكنه أكد أن تلك الانتصارات العسكرية أعقبها ثمن باهظ تمثل في احتلال طويل وإعادة بناء الأنظمة السياسية في الدول المهزومة.
وأضاف أن هذه التكاليف غالباً ما يتم تجاهلها في النقاشات الجارية حول أي مواجهة محتملة مع إيران.
استسلامات غير مشروطة
ولفت التحليل إلى أن تجاهل كلفة الاستسلام غير المشروط قد يعيد أخطاء الماضي، مشيراً إلى تداعيات معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى، والتي يرى كثير من المؤرخين أنها مهدت لصعود أدولف هتلر لاحقاً.
وبحسب كيميت، فإن الحروب التي انتهت باستسلام غير مشروط تطلبت احتلالات واسعة وطويلة. فقد استمر الاحتلال العسكري لجنوب الولايات المتحدة خلال فترة إعادة الإعمار نحو عشر سنوات، بينما استمر احتلال الحلفاء لليابان سبع سنوات بعد الحرب العالمية الثانية، واحتلال ألمانيا نحو عشر سنوات.
في المقابل، كان الوجود العسكري للحلفاء في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى محدوداً نسبياً، حيث اقتصر على منطقة الراينلاند ولم يشمل معظم الأراضي الألمانية، وهو ما اعتبره بعض المؤرخين عاملاً ساهم في ضعف جمهورية فايمار وصعود النازية لاحقاً.
وأوضح التحليل أن الاستسلامات غير المشروطة في الحروب الأمريكية غالباً ما أدت إلى تغييرات جذرية في أنظمة الحكم. ففي الولايات الجنوبية بعد الحرب الأهلية فُرضت السلطة الفيدرالية وأُلغيت العبودية ومنح السود حق التصويت.
وفي اليابان أُعيد تشكيل النظام السياسي ليصبح ديمقراطية برلمانية بموجب دستور جديد.
كما شهدت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تحولاً من دولة شمولية إلى نظام برلماني اتحادي يقوم على التعددية السياسية واستقلال القضاء.
ويرى كيميت أن الولايات المتحدة قد تواجه في حالة إيران خيارات صعبة، بينها التوصل إلى تسوية مع النظام القائم أو محاولة دعم نظام سياسي بديل غير ديني أو ملكي، وهو خيار قد يثير صراعاً مسلحاً داخلياً أشد تعقيداً من تجربة العراق بعد عام 2003.
وأشار التحليل إلى أن تكلفة فرض استسلام غير مشروط على إيران قد تكون هائلة، سواء من حيث التمويل أو حجم القوات المطلوبة.
فبحسب تقديراته، قد يتطلب احتلال دولة بحجم إيران وعدد سكانها قوات أكبر بكثير من تلك التي استخدمت في العراق.
فقد احتاجت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية إلى أكثر من 400 ألف جندي أمريكي، وألمانيا إلى نحو 250 ألفاً، بينما أشار قادة عسكريون سابقون إلى أن استقرار العراق بعد الغزو كان يتطلب مئات الآلاف من الجنود.
ومع الأخذ في الاعتبار أن مساحة إيران تزيد عدة مرات على مساحة العراق ويبلغ عدد سكانها أكثر من ضعفه، إضافة إلى امتلاكها أجهزة أمنية كبيرة، يرى كيميت أن أي احتلال محتمل قد يتطلب قوات تتجاوز حجم الجيش الأمريكي الحالي الذي يضم نحو 450 ألف جندي.
واختتم المسؤول العسكري السابق تحليله بالتحذير من أن السعي إلى استسلام سريع وغير مشروط لإيران قد يفتح الباب أمام التزامات عسكرية ومالية ضخمة، وربما يقود الولايات المتحدة إلى حرب طويلة وتوسيع وجودها العسكري على الأرض لسنوات.