الحوثي... من المُسيَّرات إلى المَسِيرات
مع دخول العمق الفعلي للحرب الضارية التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على النظام الإيراني يومها الثالث عشر، تتكشف ملامح مشهد إقليمي جديد، لا مكان فيه للصغار ولا مساحة فيه للمناورة بالوكالة.
في هذا الأتون المستعر، حيث تتحدث الصواريخ الفرط صوتية والتقنيات السيبرانية لغة الكبار، سقط القناع عن ميليشيا الحوثي في اليمن، لتكشف عن عجزٍ استراتيجي فاضح؛ فالميليشيا التي ملأت الدنيا ضجيجاً بالمُسيَّرات الانتحارية، انكفأت اليوم خلف جدران المَسِيرات الاستعراضية، مستبدلةً أزيز الطائرات بهتاف الحناجر المبحوحة.
لقد تحول عبد الملك الحوثي، من قائد مليشيا يهدد الملاحة الدولية ويقامر بأمن البحر الأحمر، إلى ظاهرة صوتية تكتفي بجدولة المواعيد الأسبوعية للحشد والتضامن.
ورغم الخطابات المتشنجة التي تعهد فيها بالوقوف المطلق مع طهران، إلا أن الواقع الميداني كشف الخيط الأبيض من الأسود. فالحوثي يدرك يقيناً أن الدخول في مقامرة عسكرية مباشرة وسط هذه الحرب الكبيرة ليس جهاداً كما يزعم، بل هو انتحار وجودي سياسياً وعسكرياً له سيمحو ما تبقى من قدراتة ووجوده في طرفة عين.
إن لجوء الميليشيا إلى سلاح المسيرات المليونية كل يوم جمعة، ليس فعلاً نابعاً من القوة، بل هو تقية سياسية وهروب تكتيكي إلى الأمام.
يدرك الخبراء والمختصون أن لعبة المسيرات (الدرونز) التي استُخدمت لابتزاز السفن التجارية، والملاحة البحرية لا تقوى على الصمود ساعة واحدة أمام تقنيات الاستهداف الجراحي التي تديرها القوى الدولية في سماء المنطقة.
لذا، اختار الحوثي الهامش الزائف، مفضلاً استعراض العضلات فوق أرصفة الساحات بدلاً من ميادين الجهاد، كما كان يتشدق في اعتراف ضمني بأن دوره الوظيفي كمخلب قط قد وصل إلى حدوده القصوى أمام إرادة القوى الكبرى.
هذا التحول من المُسيَّر إلى المَسِير يعكس هشاشة الموقف الحوثي؛ فالميليشيا التي ارتهنت للخارج تجد نفسها اليوم محشورة في زاوية الضيق، حيث تدرك أن أي مغامرة عسكرية ستكون المسمار الأخير في نعش انقلابها.
إنها لحظة الحقيقة التي تثبت أن الأدوات المحلية مهما تضخمت، تظل مجرد أصداء لمشاريع إقليمية، وحين يهتز الأصل في طهران، يرتعد الفرع في صنعاء ويلوذ بالصمت المطبق عسكرياً، والضجيج المفتعل إعلامياً.
أمام هذا المشهد، تبرز الحقيقة الوطنية والمسؤولية التاريخية للحكومة الشرعية والوعي الشعبي اليمني. إن هذه الهشاشة المتنامية في الوجود والموقف الحوثي، وهذا الانكفاء خلف الاستعراضات الرمزية، يمثل فرصة ذهبية لتوحيد الصف الجمهوري.
لقد آن الأوان لاستغلال لحظة الضعف هذه، والتحرك بدعم إقليمي ودولي لاستعادة العاصمة المختطفة صنعاء، وتطهير التراب اليمني من دنس الانقلاب. فالحوثي الذي يختبئ اليوم وراء الحشود، أثبت للعالم أنه نمر من ورق، وأن مسيراته لن تحميه من استحقاقات النصر القادم، سواء طال الزمن أم قصر.