مفاوضات عمان.. إعلان الصمت الأخير للشرعية!
في العاصمة الأردنية عمّان تعقد المفاوضات التي ترسم ملامح المرحلة القادمة في اليمن، لكن دون حضور من يفترض أنهم يمثلون الدولة اليمنية..
أقصد الشرعية؛ التي أصبح غيابها العنوان الأوضح والأبرز لحالة التآكل والهشاشة التي وصلت إليها..
حين تجلس الرياض وجماعة الحوثيين برعاية الأمم المتحدة وبإشراف مبعوثها هانس غروندبرغ لمناقشة ملفات عسكرية وأمنية حساسة، وتُترك الشرعية؛ بحكومتها المعترف بها دولياً، وبرلمانها الغائب، ومجلسها الرئاسي فاقد التوافق والفاعلية، وكل مؤسساتها السياسية والعسكرية خارج القاعة، وخارج عمّان، وخارج الأردن كلها، فالسؤال لم يعد؛ لماذا غابت الشرعية، بل ماذا تبقى منها أصلاً..!!
المشكلة لم تبدأ اليوم، بل تراكمت عبر سنوات من الارتهان، وسوء الإدارة، والانشغال بالمناصب والمكاسب، والصراعات الداخلية التي أفرغت هذا الكيان من أي مضمون حقيقي، ومع كل جولة تفاوض مباشر بين الرياض وصنعاء يتم تجاوزها فيها، يتأكد أن دورها لم يعد ضرورياً حتى بالشكل البروتوكولي، ولم يعد لها مكان على الطاولة، ولا وزن في القرار، ولا حتى حضور شكلي يحفظ ماء الوجه..
أعتقد أن التفاوض المباشر بين الرياض وصنعاء لا يعكس رغبة إقليمية في إنهاء الحرب بأي شكل فقط، بل يؤسس لواقع جديد يُعاد فيه تعريف السلطة في اليمن، بعيداً عن كل الشعارات التي رُفعت باسم (استعادة الدولة)، ويتجاهل 12 سنة من دماء اليمنيين ومعاناتهم، فمن يملك القوة على الأرض هو من يفرض رأيه ويتم التعامل معه في السياسة، والبقية مجرد تفاصيل يمكن الاتفاق عليها أو تجاوزها تماما، بما في ذلك ملايين اليمنيين أنفسهم..!!
ما يحدث في عمان يكشف بوضوح أن موازين القوى على الأرض هي التي تحدد من يتحدث ومن يُستبعد، فالدولة لا تُستعاد بكيانات عاجزة، ولا تُبنى بسلطة لا تملك قرارها..
أما الحديث عن ملفات إنسانية كصرف الرواتب والتهدئة، وتخفيف المعاناة، وتحسين الوضع الإنساني، فهي مجرد غطاء لصفقات سياسية كبرى تُطبخ بعيداً عن أعين اليمنيين، وجزء من واجهة تفاوضية تُستخدم لتسهيل تمرير تفاهمات أكبر، تُصاغ بين الأطراف الفاعلة فعلياً، وليس بين من يحملون ألقاباً بلا تأثير على الأرض..
لم تسقط الشرعية اليوم، بل سقطت يوم فقدت قرارها وسلمت زمام أمرها لمن يديرها ويتحكم بمفاصلها، وتحوّلت إلى كيان هلامي يعيش على الهامش، بين الفنادق والقصور، يستهلك عمر اليمنيين ومواردهم، دون أن يمتلك قدرة حقيقية على التأثير إلا ما يسمح به ولي الأمر وصاحب القرار..!!
الشرعية اليوم ليست في موقع من يتم تهميشه، بل في موقع من فقد مبرر وجوده. وحين تُناقش قضايا الحرب والسلام دونها، فهذه ليست أزمة تمثيل، بل إعلان صريح بأن صفحتها قد طُويت عملياً، وأنها لم تعد موجودة أصلا في حسابات الاقليم..!