رسالة مواطن يمني.. حين يطرق العيد أبواب وطن مثقل بالجراح
مع العد التنازلي لرحيل شهر رمضان، يستعد العالم الإسلامي لاستقبال عيد الفطر بما يحمله من بهجةٍ وطمأنينةٍ وروحٍ من التكافل والفرح.
غير أن المشهد في اليمن يبدو مختلفاً إلى حدٍ بعيد، فالعيد هنا لا يأتي دائماً محمولاً على أجنحة الفرح، بل يصل مثقلاً بأسئلة موجعةٍ عن الحياة، والكرامة، ومستقبل وطنٍ أنهكته سنوات الصراع والانقسام.
في الأزقة الضيقة لمدن اليمن وقراه، وبين الأسواق التي خفَتت فيها حركة البيع والشراء، يقف المواطن اليمني اليوم أمام واقع معيشيٍ بالغ القسوة.
فارتفاع الأسعار، وانهيار القدرة الشرائية، وتآكل مصادر الدخل، كلها عوامل جعلت من الاستعداد للعيد عبئاً إضافياً على كاهل أسرٍ تكافح يومياً لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
لم يعد السؤال لدى كثير من اليمنيين ماذا سنشتري للعيد؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف سنوفر قوت يومنا؟ وكيف يمكن لأسرةٍ أنهكتها الحرب والبطالة وتراجع الخدمات أن تحافظ على شيءٍ من كرامة العيش في ظل هذا الواقع المعقد؟
ومع ذلك، فإن اليمني ـ بطبيعته التي صقلتها سنوات من الصبر والإيمان ـ لا يفقد قدرته على التشبث بالأمل.
ففي قلب المعاناة تنبض قيم التكافل الاجتماعي، حيث يظل الجار سنداً لجاره، وتبقى مبادرات الخير والعطاء واحدةً من أجمل ملامح المجتمع اليمني، حتى في أشد لحظاته صعوبة.
غير أن هذا الصبر الشعبي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قبولاً دائماً بالأزمات. فالمواطن اليمني الذي تحمل ما لا يُحتمل طوال سنوات الحرب والصراع، يتطلع اليوم إلى ما هو أبعد من مجرد البقاء على قيد الحياة؛ إنه يتطلع إلى دولةٍ تستعيد دورها، ومؤسساتٍ تعمل لخدمته، واقتصادٍ يعيد إليه القدرة على العمل والإنتاج، وحياةٍ آمنةٍ تليق بتاريخ هذا البلد العريق.
إن رسالة المواطن اليمني مع اقتراب العيد ليست شكوى عابرة، بل صرخة وعيٍ ومسؤولية. رسالة تقول إن اليمنيين لا يطلبون المستحيل، بل يريدون وطناً تتوافر فيه مقومات الحياة الكريمة، أمن يحميهم، واقتصاد يمنحهم فرصة العمل، وخدمات أساسية تحفظ كرامتهم الإنسانية.
العيد، في معناه الأعمق، ليس مجرد ثيابٍ جديدة أو موائد عامرة، بل شعورٌ بالسكينة والانتماء. وهذا الشعور لا يمكن أن يكتمل في وطنٍ ما تزال جراحه مفتوحة، وما تزال معاناة مواطنيه حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.
ومع ذلك، يبقى الأمل هو العنوان الأصدق في وجدان اليمنيين. فالشعوب التي عرفت الصبر طويلاً قادرة أيضاً على النهوض، والأوطان التي مرت بمحنٍ قاسية تستطيع أن تعود أكثر قوةً وتماسكاً حين تتوفر الإرادة الصادقة لبناء المستقبل.
وهكذا يقف المواطن اليمني على أعتاب العيد، لا حاملاً شكواه فقط، بل حاملاً أيضاً إيمانه العميق بأن هذا الوطن ـ رغم كل ما مر به ـ ما يزال قادراً على أن ينهض من جديد، وأن يستعيد مكانته التي تليق بتاريخه وبإنسانه.
تلك هي رسالة مواطن يمني، رسالة وجعٍ وأمل، وصبرٍ لا ينكسر، وإيمانٍ بأن الفجر، مهما طال الليل، لا بد أن يأتي.