في وطن مثقل بالحرب.. أطفال يخوضون معركتين
في البلدان المستقرة، يُحتفى بأسبوع التربية الخاصة وشهر التوعية بالتوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، وعسر القراءة، بوصفها مناسبات للتذكير بأهمية الدمج والعدالة التعليمية.
أما في اليمن، فإن لهذه المناسبة معنى آخر؛ معنى يختلط فيه الألم بالأمل، ويغدو الحديث عن الإعاقة حديثاً عن وطن بأكمله يختبر قدرته على حماية أضعف فئاته في زمن الانكسار.
هناك، في فصل دراسي تتساقط جدرانه كما تتساقط رواتب معلميه، يجلس طفل لا يرى العالم كما نراه. لا لأنه أقل ذكاءً، بل لأنه مختلف في طريقة إدراكه.
طفل مصاب بالتوحد يحاول أن يفهم الضجيج الذي حوله، بينما الضجيج الأكبر يأتي من خارج المدرسة؛ من حرب لم تترك له حق الهدوء، ولا رفاهية الروتين الذي يحتاجه كي يطمئن.
إلى جواره، طفلٌ باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يفيض بالطاقة، يتحرك أكثر مما يحتمل الصف، ويُساء فهمه أكثر مما يحتمل قلبه. يُقال له “اهدأ”، وكأن المسألة قرار شخصي، لا حالة عصبية تحتاج إلى فهم واحتواء.
وفي زاوية أخرى، تتابع طفلةٌ بعسر القراءة السطور كما لو كانت أمواجاً متكسرة، تحاول أن تمسك بالكلمة فلا تستقر في عينيها، فيما يُتهم ذكاؤها بما ليس فيه.
هذه ليست حالات فردية عابرة. إنها وجوه حقيقية لأطفال يمنيين يخوضون معركتين في آنٍ واحد: معركة مع اختلافاتهم النمائية، ومعركة مع واقعٍ تعليمي واقتصادي منهك بفعل سنوات الحرب والانقلاب الحوثي وما تبعها من انهيار مؤسسي واسع.
الحرب لا تُسقط القذائف فقط؛ إنها تُسقط أيضاً شبكات الأمان الهشة.
حين تتعطل الرواتب، تتعطل معها خطط التأهيل.
حين تُغلق المراكز المتخصصة ومراكز التدخل المبكر أو تتحول إلى ترفٍ لا يقدر عليه إلا القليل، يصبح التشخيص المبكر حلماً مؤجلاً.
وحين يُثقل الفقر كاهل الأسرة، تتراجع الأولويات حتى يبدو البحث عن جلسة تخاطب أو دعم نفسي رفاهية في زمن الجوع.
في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث جرى تسييس التعليم وتغيير المناهج، وتغليب خطاب التعبئة على خطاب الرعاية، تبهت أكثر قضايا الفئات الهشة، والمستضعفة.
لا مكان كافٍ في أجندة الصراع لطفل يحتاج إلى معلم ظل، أو إلى خطة تعليمية فردية، أو إلى بيئة صفية تراعي حساسيته السمعية والبصرية، وتناسب قدرته الذهنية.
وهكذا يُدفع المختلفون إلى هامشٍ أضيق، في وطنٍ يضيق أصلاً بأبنائه.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل.
ثمة آباء وأمهات يقفون كالسد في وجه اليأس.
أمٌّ تحمل طفلها من مركزٍ إلى آخر بحثاً عن تشخيص دقيق. أبٌ يتعلم المصطلحات الطبية كما لو كان طالباً في كلية طب، لا ليحصل على شهادة، بل ليحصل على فرصةٍ عادلة لابنه.
هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون في حكاية التربية الخاصة في اليمن؛ جنودٌ بلا أوسمة، يقاتلون بصبرٍ يومي طويل.
إن الحديث عن التوحد وADHD وعسر القراءة في اليمن لا ينبغي أن يبقى حبيس التعاطف الوجداني وحده.
نحن أمام استحقاق وطني وأخلاقي يتطلب سياسات واضحة، وشراكات حقيقية مع المنظمات الاقليمية والدولية المعنية، وإعادة الاعتبار للتعليم بوصفه خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان.
التعليم الدامج ليس شعاراً إنشائياً؛ إنه التزام بتكييف المناهج، وتدريب المعلمين، وتوفير خدمات الدعم النفسي والتربوي، وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر المنهكة.
كما أن الإعلام، وهو ينقل هذه القصص، مدعوّ إلى تجاوز الصورة النمطية التي تختزل الإعاقة في مشهد شفقة عابرة.
المطلوب خطاب يعترف بالاختلاف كجزء من التنوع الإنساني، ويرى في كل طفل قدرة كامنة، لا عجزاً مطلقاً. فالذكاء ليس قالباً واحداً، والنجاح لا يُقاس بسرعة القراءة وحدها، ولا بقدرة الجلوس ساكناً في مقعد خشبي لساعات.
في وطنٍ مثقلٍ بالجراح، قد يبدو الحديث عن حقوق الأطفال ذوي الإعاقة ترفاً. لكنه في الحقيقة معيار دقيق لمدى إنسانيتنا.
فالمجتمعات تُقاس بقوة جيوشها أحياناً، لكنها تُقاس دائماً بقدرتها على حماية الأضعف فيها.
وإذا كان اليمن قد خسر الكثير في سنوات الحرب، فلا ينبغي أن يخسر أيضاً حق أطفاله من ذوي الاعاقة في التعلم، والكرامة، والمستقبل.
أسبوع التربية الخاصة، وشهر التوعية بالتوحد وADHD وعسر القراءة، ليس مناسبة عابرة في تقويم مثقل بالأزمات.
إنهما مرآة نرى فيها وجوه أطفالنا، ونسأل أنفسنا بصدق: أيُّ يمنٍ نريد؟ يمن يُقصي المختلف لأنه عبء أم يمن يحتضنه لأنه ثراء؟
الإجابة ليست في خطابٍ رسمي، ولا في بيانٍ موسمي، بل في قرار يومي بأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نضع الطفل –كل طفل– في قلب المعادلة. هناك، فقط، يبدأ الوطن في التعافي.