من أسقط الدولة اليمنية ومن يدّعي إنقاذها؟
في السياسة، لا تكفي الشعارات لصناعة الشرعية، ولا تكفي العناوين البراقة لإقناع الشعوب.
المعيار الحقيقي هو ما يبقى على الأرض.. هل حضرت الدولة أم غابت؟ هل توحدت المؤسسات أم تشرذمت؟ هل استقر الناس أم عاشوا على إيقاع الأزمات؟
منذ ما سُمّيت بثورة فبراير 2011، التي تحولت في نتائجها إلى نكبة وطنية، دخلت البلاد منعطفاً حاداً رُفعت فيه لافتات التغيير والإنقاذ.
غير أن السنوات التي تلت كشفت أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة القدرة على بناء نظام بديل قادر على إدارة الدولة.
وبين الحلم والواقع، دفع اليمن ثمناً باهظاً من استقراره ووحدته ومؤسساته.
لم يكن الجدل يوماً حول حق الناس في الإصلاح، فالإصلاح مطلب دائم في أي دولة.
لكن ما جرى تجاوز فكرة الإصلاح إلى هدم شامل لبنية الدولة، دون تصور متماسك لما بعدها.
وحين تُهدم المؤسسات تحت ضغط الشارع، والتحالفات المرتجلة، والمشاريع غير المحسوبة، يصبح الفراغ سيد الموقف، وتتسابق القوى المتعددة لملئه، كلاً وفق حساباته وأجندته.
اليوم، وبعد أعوام من الفوضى والانقسام، يحق لليمنيين أن يطرحوا سؤالاً مباشراً: من يتحمل مسؤولية هذا المسار؟ ومن يملك الشجاعة للاعتراف بأن إدارة الدولة أعقد من إدارة الحشود والفوضى، وأن إسقاط منظومة لا يعني القدرة على بناء أخرى؟
لقد أثبتت التجربة أن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، ولا تُبنى بخطاب تعبوي، بل بمؤسسات راسخة، وقرار وطني مستقل، وتوازن دقيق بين القوى السياسية.
وحين غاب هذا التوازن، تمددت الأزمات، وتعددت السلطات، وتراجع حضور المركز لصالح مراكز متنازعة.
إن استدعاء مرحلة ما قبل 2011 ليس حنيناً أعمى، بل مقارنة مشروعة بين واقعين. والمقارنة ليست ترفاً سياسياً، بل حقاً وطنياً.
فمن وعدوا بإنقاذ البلاد مطالبون اليوم بتقديم كشف حساب صريح: ماذا تحقق من شعاراتهم؟ وأين تقف الدولة الآن؟
اليمن لا يحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج إلى مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، وتضع حداً لدوامة الشعارات غير المسنودة بقدرة حقيقية على الحكم.
فالسياسة مسؤولية، ومن يتصدر المشهد باسم الإنقاذ عليه أن يبرهن بالفعل لا بالقول.
في النهاية، لا يكفي أن تعلن نفسك منقذاً للدولة؛ الأهم أن تُثبت أنك لم تكن سبباً في إضعافها أو تفكيكها.