بين فراغ التشريع وفساد الحماية: الابتزاز الإلكتروني في اليمن.. "صناعة" الخوف
لم يعد الابتزاز الإلكتروني في اليمن مجرد جريمة رقمية معزولة أو سلوك إجرامي فردي، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية مركّبة ذات أبعاد أمنية وقانونية ونفسية وإنسانية عميقة، في بلد أنهكته الحرب، وغيّبت مؤسساته، وتفككت فيه منظومات الحماية القانونية والاجتماعية.
ومع توسّع استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وغياب الوعي الرقمي، نشأت بيئة مثالية لنمو هذا النوع من الجرائم، التي تستهدف الفئات الأضعف، وفي مقدمتها الفتيات والنساء، دون أن تستثني الشباب والرجال.
نرصد في هذا التقرير ظاهرة الابتزاز الإلكتروني في اليمن من جذورها الأولى، مروراً بأدواتها وأساليبها، وصولاً إلى نتائجها الكارثية التي وثقتها منظمات حقوقية وإنسانية، وتناولتها وسائل إعلام محلية، في ظل صمت رسمي وعجز تشريعي، وتواطؤ غير معلن في بعض الحالات.
التمكين الرقمي المبكر دون وعي.. البوابة الأولى للابتزاز
أجمع مختصون وناشطون اجتماعيون على أن أحد الأسباب الجوهرية لانتشار الابتزاز الإلكتروني في اليمن يتمثل في تمكين الفتيات في سن مبكرة من الهواتف الذكية، والسماح لهن بإنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي دون أي إرشاد أو توعية أو رقابة حقيقية.
في كثير من الأسر اليمنية، يُنظر إلى الهاتف المحمول باعتباره وسيلة ترفيه أو تواصل بريئة، دون إدراك أنه أداة مفتوحة على فضاء واسع من المخاطر الرقمية، خصوصاً في غياب الثقافة المتعلقة بالخصوصية الرقمية، وإعدادات الأمان، وأساليب الاستدراج التي يستخدمها المبتزون.
هذا الفراغ المعرفي يجعل الفتيات فريسة سهلة لأساليب الخداع العاطفي، وبناء الثقة الزائفة، والتلاعب النفسي، حيث يبدأ الأمر بتواصل عادي، ثم يتحول تدريجيًا إلى جمع صور أو معلومات شخصية، قبل الانتقال إلى مرحلة التهديد والضغط.
وتتضاعف الخطورة في مجتمع محافظ، يُحمّل الضحية مسؤولية ما تتعرض له، ويخشى الفضيحة أكثر من الجريمة نفسها، ما يدفع كثيرًا من الفتيات إلى الصمت والخضوع بدل طلب المساعدة.
مسرح الجريمة المفتوح
من العوامل الأساسية التي ضاعفت حجم الظاهرة، غياب أي ضوابط قانونية أو رقابية فعّالة على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وإيمو، حيث بات إنشاء الحسابات الوهمية يتم بسهولة كبيرة، دون تحقق حقيقي من الهوية.
هذا الواقع أتاح للمبتزين إنشاء حسابات بأسماء وصور فتيات، يتم من خلالها التواصل مع فتيات أخريات على أساس أن الطرف الآخر أنثى، بينما يكون في الحقيقة رجلاً أو شبكة ابتزاز منظمة. ويتم عبر هذه الحسابات بناء علاقات افتراضية، تبادل صور أو معلومات، ثم الانتقال إلى مرحلة الابتزاز.
ولا تقتصر هذه الأساليب على الفتيات فقط، بل تمتد أيضاً إلى الشباب والرجال، حيث يتم استدراجهم عبر حسابات نسائية وهمية، والدخول في محادثات خاصة، ثم استخدام ما يتم جمعه من مواد أو تسجيلات خاصة كوسيلة ضغط وابتزاز مالي أو اجتماعي.
هذا النمط من الجرائم يستفيد من صعوبة التحقق من الهوية الرقمية، وضعف استجابة شركات التواصل مع البلاغات القادمة من اليمن، وغياب أي تشريعات محلية تُلزم هذه المنصات بتحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه المستخدمين.
محلات صيانة الهواتف.. حين تتحول الخدمة إلى فخ
من أخطر المسارات الصامتة للابتزاز الإلكتروني في اليمن، تلك التي تبدأ داخل محلات صيانة الهواتف المحمولة. بحسب شهادات ضحايا وناشطين، يستغل بعض العاملين أو الفنيين في هذا المجال الثقة والجهل التقني لدى الزبون، خصوصاً الفتيات والنساء، ليقوموا خلال عملية الصيانة بسحب الصور والبيانات الخاصة، أو نسخ محتوى الهاتف، أو الوصول إلى الحسابات المرتبطة به.
وغالباً ما تبدأ عملية الابتزاز بعد مغادرة الضحية للمحل، عبر رسائل أو حسابات وهمية، تتضمن تهديداً بنشر المحتوى الخاص مقابل مبالغ مالية أو تنازلات أخرى.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن الضحية لا تتوقع أن يتحول مكان يفترض أنه آمن إلى مصدر تهديد، كما أن إثبات الجريمة لاحقًا يكون بالغ الصعوبة في ظل غياب الرقابة والتراخيص المهنية الواضحة.
ويؤكد مختصون في الأمن الرقمي أن غياب أي تنظيم قانوني لمهنة صيانة الهواتف، وعدم وجود مساءلة حقيقية لانتهاكات الخصوصية، جعل من بعض هذه المحلات بيئة خصبة لانتهاك الحقوق الرقمية.
الفساد الأمني.. حين يُبتز الضحية داخل مؤسسة الحماية
إلى جانب المبتزين الأفراد، تكشف شهادات حقوقية عن بُعد أكثر خطورة يتمثل في استغلال بعض المنتسبين للأجهزة الأمنية، وخصوصاً في أقسام البحث الجنائي، لمعاناة الضحايا بدل حمايتهم.
تفيد مصادر متطابقة بأن بعض الضحايا الذين لجأوا إلى الجهات الأمنية للإبلاغ عن تعرضهم للابتزاز، وجدوا أنفسهم أمام ابتزاز مضاعف، حيث يُطلب منهم دفع مبالغ مالية تحت مسميات غير قانونية، دون اتخاذ أي إجراءات حقيقية لملاحقة الجناة.
وفي حالات أخرى، تشير شهادات إلى تورط أفراد محسوبين على الأجهزة الأمنية أنفسهم في ممارسة الابتزاز، أو التواطؤ مع المبتزين عبر تعطيل البلاغات أو تسريب معلومات عن الضحايا، مستفيدين من النفوذ، وغياب الرقابة، وضعف المحاسبة. هذا السلوك لا يكتفي بتوسيع دائرة الجريمة، بل يؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات، وعزوف الضحايا عن التبليغ، وتحويل الابتزاز إلى اقتصاد ظل قائم على الخوف.
صفحات “مكافحة الابتزاز”.. الاحتيال المقنّع
في تطور بالغ الخطورة، ظهرت خلال السنوات الأخيرة صفحات وحسابات على منصات التواصل تحمل مسميات خادعة مثل مكافحة الابتزاز أو حماية الفتيات أو الدعم القانوني، تقدم نفسها كصفحات مساندة للضحايا.
غير أن حالات تم اكتشافها مؤخراً كشفت أن بعض هذه الصفحات هي جزء من منظومة الابتزاز نفسها، حيث تقوم بجمع كل البيانات الحساسة من الضحية، بدعوى المساعدة، ثم تعيد توظيفها في ابتزاز جديد أو التنسيق مع المبتز الأصلي. وبذلك تتحول الضحية من شخص يبحث عن النجدة إلى مصدر معلومات يُستغل لتعزيز قوة الجريمة بدل إنهائها، ما يؤدي إلى تدمير ما تبقى من ثقة لدى الضحايا، ودفعهم إلى الصمت أو الخضوع الكامل.
النساء والفتيات الفئة الأكثر تضررًا
تُظهر المعطيات الحقوقية والإعلامية أن الفتيات والنساء يشكلن النسبة الأكبر من ضحايا الابتزاز الإلكتروني في اليمن، بسبب تداخل عوامل اجتماعية ونفسية وثقافية، تجعل من التهديد بالفضيحة سلاحاً فاعلًا ضدهن.
وتشمل الحالات الموثقة فتيات في سن مبكرة، نساء مطلقات، فتيات أُلغيت خطوبتهن، ونساء تعرضن للابتزاز من أشخاص تربطهم بهن علاقات سابقة، بما في ذلك أزواج سابقون.
في كثير من هذه الحالات، لا تكون الجريمة الرقمية هي الخطر الأكبر، بل ردّة فعل المجتمع، وتحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له، وغياب أي دعم نفسي أو قانوني فعلي.
حين يصبح الابتزاز تهديداً للحياة
بلا شك، تُعد أخطر تداعيات هذه الظاهرة النتائج النفسية القاسية التي وصلت في عدد من الحالات إلى فقدان الحياة (الانتحار)، فقد وثّقت منظمات حقوقية وإنسانية، وتناولت مواقع وصحف ووكالات إخبارية يمنية، تسجيل حالات انتحار لفتيات ونساء خلال العامين الأخيرين، والنصف الأخير من العام 2025م بالتحديد ارتبطت —بحسب المصادر— بتعرضهن للابتزاز والاستغلال الرقمي.
وتؤكد هذه المنظمات أن ما تم توثيقه لا يعكس الحجم الحقيقي للمأساة، في ظل التكتم العائلي، والخوف الاجتماعي، وغياب بيانات رسمية شفافة، والتعامل مع بعض الحالات باعتبارها شؤوناً خاصة لا تستدعي التحقيق العام.
فراغ تشريعي وفشل مؤسسي
لا يمتلك اليمن حتى اليوم قانوناً خاصاً بالجرائم الإلكترونية، بما فيها الابتزاز الرقمي، ويتم التعامل مع هذه القضايا عبر نصوص عامة في قانون العقوبات، غير الملائمة لطبيعة الجرائم الحديثة.
هذا الفراغ التشريعي، إلى جانب الانقسام المؤسسي، وضعف استقلال القضاء، وغياب التدريب المتخصص للأجهزة المعنية، جعل من مكافحة الابتزاز مهمة شبه مستحيلة، وترك الضحايا دون حماية حقيقية.
الابتزاز الالكتروني جريمة تتطلب مواجهة شاملة
الابتزاز الإلكتروني في اليمن لم يعد مجرد مشكلة تقنية أو أخلاقية، بل تحوّل إلى انتهاك جسيم للكرامة الإنسانية، يهدد السلامة النفسية والاجتماعية، ويكشف فشل منظومة الحماية القانونية والمؤسسية.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركاً شاملاً يبدأ من الأسرة، مروراً بالتعليم والإعلام، وصولاً إلى تشريعات حديثة، ومساءلة حقيقية، وتعاون جاد مع منصات التواصل، ودعم نفسي وقانوني فعلي للضحايا.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الفضاء الرقمي في اليمن ساحة مفتوحة لجريمة صامتة، يدفع ثمنها الأبرياء وحدهم.