من محراب الصون إلى مذابح الاستباحة
في المجتمعات التي لم تضل طريقها بعد، ولم تفقد بوصلة فطرتها السليمة، ثمة ثوابت لا تستلزم نصوصاً قانونية مسطّرة كي تُصان وتحترم.
إنها رواسخ تحرسها الذاكرة الجمعية للأمم، وتذود عنها الأعراف المتوارثة، وتُبقيها منظومة القيم الأخلاقية بعيدةً عن متناول التساؤل والجدل.
لقد كانت المرأة، في الوعي اليمني الجمعي، إحدى هذه المسلّمات المطلقة؛ كياناً محاطاً بسياجٍ منيعٍ من الحياء والعرف لا يُخترق.
لم يكن ذلك التكريم نابعاً من إملاءات النصوص وحدها، بل كان معياراً أصيلاً تُقاس به الرجولة ذاتها، وتُوزن به مكارم الأخلاق.
لكن، ويا للأسف، شيئاً جوهرياً قد انكسر.
لم يكن هذا التحول المأساوي وليد اللحظة العابرة، بل كان انحداراً متدرجاً، تسلّل على مهل، حتى بلغ بنا المقام إلى نقطةٍ صار فيها ما كان مستحيلاً بالأمس القريب، أمراً ممكناً اليوم.
وما كان يُعدّ عاراً لا يُمحى، غدا مشهداً عادياً يمرّ في يوم يمني مثقلٍ بدماء الأبرياء.
اغتيال الطبيبة وفاء سرحان في احدى مناطق تعز التي تقع تحت سيطرة مليشيا الحوثي لم يكن مجرد حادثة قتل فردية، بل كان تجسيداً مؤلماً لفكرة كاملة عن اليمن الذي عرفناه، واليمن الذي يُراد له أن يُطوى في غياهب النسيان.
كانت الفقيدة صورةً مكثفة للمهنة الإنسانية في أوج شرفها ونقائها، وللأمومة حين تكون رسالة حياة، ولليمني حين يكون ابن قيمٍ راسخة لا رهينة بيد السلاح العابث.
إن حادثة اغتيال كهذه ليست مجرد ذيل خبر أمني، ولا رقماً إضافياً يُحصى في نشرة الأخبار الدامية. إنه إعلانٌ فادح عن انهيار أخلاقيٍ سحيق، وتصدّع مرعب يضرب في عمق منظومة القيم التي ظل اليمنيون يتباهون بها قروناً طويلة. فاليمني، في ذاكرته المتوارثة، كان يعتبر الإساءة للمرأة ـ حتى ولو بلمزٍ أو إشارة ـ خِزياً لا يُغتفر، وسقوطاً مدوياً في معايير الرجولة، وخروجاً صريحاً عن الملة والعرف والمروءة.
كانت المرأة حرمة مصونة، وكان المساس بها وصمة عارٍ تلاحق مرتكبها إلى أن يوارى الثرى.
أما اليوم، فلم تعد الكلمة الجارحة هي الجريمة العظمى، بل صار القتل هو المتاح والمستساغ… بل السهل المنال.
تُقتل امرأة بدمٍ بارد، داخل حرم بيتها الآمن، وامام اطفالها الصغار، دون أن يرتعش ضمير الجاني، أو يتوقف عند سؤال الشرف المراق، أو يخشى لعنة مجتمعٍ كان يوماً ما لا ينام حتى يسترد حرمته.
هنا، نحن لا نتحدث عن جريمة ضد فرد منعزل، بل عن جريمة موجهة ضد صورة اليمني الحقيقي ذاته، ضد عنفوانه الأصيل الذي كان يُقاس بمدى قدرته على حماية الضعيف، لا بمدى براعته في سفك دمه.
وفاء سرحان لم تكن طرفاً في معادلة صراع، ولم تحمل موقفاً سياسياً متطرفاً، ولم تكن مشروع خصومة لأحد. كانت فقط طبيبة نذرت نفسها لصف الحياة، في زمنٍ صار فيه أداء الواجب المهني النبيل ضرباً من ضروب المخاطرة.
ولهذا التحديد كان اغتيالها أشد فداحة وأعظم إثماً؛ لأنه يكشف إلى أي مدى صار العنف منفلت العقال من كل قيد ديني أو أخلاقي، وإلى أي مدى جرى تدجين المجتمع على قبول ما كان بالأمس القريب مستحيلاً جملة وتفصيلاً. حين تُقتل طبيبة، تُقتل معها الثقة في إمكانية الحياة الآمنة. وحين تُقتل أم، يُطعن المستقبل في خاصرته الغضة.
وحين تُقتل امرأة في مجتمعٍ كان يوماً يتغنى بمروءته، فإن السؤال لا يعود محصوراً في... من هو القاتل المباشر؟ بل يتجاوزه إلى سؤال وجودي أعمق... ماذا تبقّى منّا كبشر؟
دم وفاء سرحان ليس مجرد دمٍ مسفوحٍ على أرض تعز النازفة، بل هو مرآة قاسية وشفافة تعكس حقيقة القاع الذي وصلنا إليه.
إما أن ننظر فيها بصدقٍ وشجاعة، ونستعيد ما تبقى من قيمنا المتهالكة قبل فوات الأوان، أو نواصل هذا الانحدار المخيف حتى يصبح قتل النساء، وقتل الإنسانية جمعاء، أمراً اعتيادياً لا يثير فينا سوى الصمت المطبق، أو الاستنكار الخجول.
رحم الله وفاء سرحان رحمة واسعة، وجعل رحيلها المأساوي صرخة وعي مدوية في وجه هذا الخراب الشامل، تذكّرنا بأن الأوطان لا تنهار حين تُهزم عسكرياً فحسب، بل حين يسقط آخر خطٍ أحمر أخلاقي في ضمير أبنائها.