ظاهرة الاختطاف.. وجع بلا صوت

في اليمن، لم يعد الخوف طارئاً يمر ثم ينقضي، بل صار ضيفاً ثقيلاً مقيماً في بيوت الناس، يتسلل بصمت إلى قلوب الأمهات كل صباح، ويلازم خطوات الآباء وهم يودّعون أبناءهم إلى المدارس أو الأسواق أو حتى إلى عتبات البيوت.

فحين تصبح الطفولة مهدَّدة، لا تعود الجريمة شأناً جنائياً عابراً، بل تتحوّل إلى جرح وطني مفتوح، وإلى سؤال أخلاقي كبير عن معنى الدولة، وحدود المسؤولية، وقيمة الإنسان في وطنٍ أنهكته الحروب وتكاثرت عليه المآسي.

اختطاف الأطفال والفتيات في اليمن لم يعد خبراً صادماً يُقرأ ثم يُطوى، بل ظاهرة تتكرّر بإيقاع مخيف، وتعيد إنتاج القلق ذاته في كل بيت.

المفزع في الأمر ليس فقط حدوث الجريمة، بل اعتياد المجتمع عليها تحت وطأة العجز، وكأن الخوف بات قدراً يومياً لا فكاك منه. صحيح أن كثيراً من الأطفال والفتيات يُعادون إلى أسرهم، وصحيح أن بعض المتورطين يُلقى القبض عليهم، لكن الحقيقة الأشد قسوة تكمن في الفراغ الذي يحيط بهذه الوقائع، وفي الصمت الثقيل الذي يلفّها من كل الجهات.

فلا صوت رسمي يشرح للناس ما الذي يجري، ولا خطاب أمني شفاف يضع الرأي العام أمام حقيقة ما يحدث، ولا سردية واضحة تطمئن المجتمع أو تحذّره أو تحشده في مواجهة هذه الجريمة.

في مناطق سيطرة  الحوثيين كما في المحافظات المحررة للحكومة الشرعية، يتشابه المشهد على نحو يثير الأسى... بيانات غائبة، محاكمات لا تُرى، ونتائج لا تُعلن.

وكأن حق المجتمع في المعرفة مؤجّل إلى أجل غير مسمّى، وكأن خوف الناس تفصيل ثانوي لا يستحق الوقوف عنده.

أما الأسر، تلك التي ذاقت الرعب بأقصى صوره، فهي الأخرى محاصرة بصمتها. تعود الطفلة أو الطفل إلى البيت، لكن القصة لا تعود معه إلى الضوء.

الخوف من الفضيحة، ومن الوصم الاجتماعي، ومن انتقام محتمل، ومن سلطة لا تُطمئن، يدفع كثيراً من العائلات إلى إغلاق الأبواب على الألم، وترك الأسئلة معلّقة في الهواء.

وهكذا، تتراكم الحوادث دون ذاكرة جماعية واضحة، ودون درس عام يحمي الآخرين من الوقوع في الفخ ذاته.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس عدد الحالات المسجّلة، بل ما تمثّله من انهيار في الإحساس العام بالأمان، ومن تصدّع في العلاقة بين المجتمع ومؤسساته.

حين تخاف الأم على ابنتها من باب البيت، وحين يتلفّت الأب حوله في كل خطوة يخطوها طفله، فنحن أمام أزمة ثقة عميقة، وأمام فشل يتجاوز الأمن إلى السياسة، ويتجاوز السياسة إلى الأخلاق.

اليمن الذي عرف عبر تاريخه تماسك الأسرة، وقدسية الطفولة، ونخوة المجتمع، لا يستحق أن يُترك أطفاله فرائس للخوف، ولا أن تُترك أمهاته وحيدات في مواجهة هذا الكابوس.

إن حماية الأطفال والفتيات ليست منّة من سلطة، ولا مادة للخطابات الموسمية، بل واجب وطني وأخلاقي لا يقبل التأجيل.

واجب يبدأ بالاعتراف بحجم المشكلة، ويمرّ بالشفافية والمحاسبة، ولا ينتهي إلا باستعادة الشعور بالأمان في الشارع والمدرسة والبيت.

إن الصمت في مواجهة هذه الجريمة ليس حياداً، بل شراكة غير معلنة في استمرارها.

والكلام المسؤول، الواضح، الصادق، ليس ترفاً إعلامياً، بل أحد أسلحة المجتمع في الدفاع عن أضعف أفراده. فحين يُختطف طفل، لا تُختطف حياته وحده، بل يُختطف جزء من مستقبل الوطن، ويُسحب حجر آخر من أساس البيت اليمني المرهق.

وما لم يُكسر هذا الصمت، سيظل الخوف هو العنوان الأبرز لطفولةٍ كان يفترض أن تُحاط بالحب، لا بالترقّب والرعب.