في إب.. تمييز طبقي يزج بأطفال الفقراء في سجون الكبار (تقرير)

في محافظة إب اليمنية، تُكشف مأساة إنسانية وقانونية مزدوجة تطول الأطفال الأحداث. فخلف أسوار السجن الاحتياطي، يُعامَل أطفال لم يبلغوا سن الرشد كبالغين، في بيئة تفتقر لأدنى مقومات التأهيل. 

وتُفاقم هذه الأزمة بوجود تمييز طبقي صارخ، حيث يُحرم أبناء الأسر الفقيرة من حقهم في الرعاية والإصلاح ليُزج بهم في السجن، بينما تُتاح بيئة دار الأحداث المتخصصة في منطقة السحول لأبناء الأسر الميسورة، وفقاً لشهادات محامين وناشطين.

السجن لأطفال الفقراء والدار لأبناء الأغنياء

يؤكد محامون يترافعون عن قضايا الأحداث، أن محافظة إب تمتلك دار أحداث في منطقة السحول، وهي المنشأة القانونية المخصصة لتقديم الرعاية والتأهيل للأطفال. إلا أن الوصول إلى هذا الدار أصبح يخضع لاعتبارات طبقية واجتماعية، حيث يتم التعامل مع أبناء الأسر الميسورة والأغنياء ببساطة لنقلهم إلى بيئة الرعاية في السحول.

في المقابل، يُدرج أطفال الأسر الفقيرة مباشرة إلى السجن الاحتياطي، وهو ما يُعقّد مشكلتهم ويضاعف من معاناتهم. 

هذا التمييز يحرم الفئة الأكثر ضعفاً من حقهم في الإصلاح، ويؤدي إلى احتجازهم مع بالغين من ذوي السوابق، فيما يتمتع أحداث السحول برعاية خاصة وحضور جلسات محاكمة تليق بوضعهم كأطفال.

مبررات للتغطية على احتجاز غير قانوني

تبرر الجهات الأمنية وإدارة السجن الاحتياطي في إب وجود هؤلاء الأطفال بالادعاء بأنهم "رهن التحقيق" أو أنهم قد "بلغوا السن القانوني". لكن المحامين وأولياء الأمور يؤكدون وجود أطفال كثر لم يبلغوا سن الرشد بعد ضمن المحتجزين.

ويعرب أولياء الأمور عن أسفهم وحسرتهم على مصير أبنائهم، مشيرين إلى أن الاحتجاز المطول في السجن الاحتياطي، بدلاً من التأهيل، يؤدي إلى نتائج عكسية كارثية. يقول أحد أولياء الأمور: ابني دخل طفلاً في قضية عادية، وبعد مكوثه الطويل في عنبر الأطفال بالسجن، يخرج مجرماً ومنحرفاً، بدلاً من أن يُعامَل كحدث لم يبلغ السن القانوني ويتم تأهيله.

عنف واعترافات تحت التهديد

تشير مصادر حقوقية إلى أن معاملة الأطفال القاسية تبدأ منذ لحظة إحضارهم. فمنذ لحظة توقيفهم، يتعرض الأطفال للإهانات والضرب والإكراه لانتزاع الاعترافات منهم تحت التهديد، على يد إدارة البحث الجنائي السابقة. تؤكد المصادر أن هذا العنف المنهجي تم تحت قيادة الحوثي غانم جزيلان مدير البحث الجنائي السابق.

ويؤكد محامون أن هذه الممارسات لا تنتهك حقوق الطفل فحسب، بل تُعمّق شعورهم بالخوف واليأس وتجعلهم مهيأين للانحراف قبل أن تطأ أقدامهم عنابر السجن.

اكتظاظ وغياب تام للرعاية الإنسانية

داخل السجن الاحتياطي، تتفاقم المأساة في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الرعاية والإصلاح: الاختلاط والاكتظاظ حيث يتم وضع الأحداث في عنابر مكتظة مع مساجين بالغين من ذوي السوابق، وإن كان هناك عنبر صغير مخصص للأطفال، لكنه يوجد فيه شبان ويتم اعتبارهم كأطفال مما يعرضهم لسلوكيات عنيفة ومنحرفة، ويجعلهم يتلقون دروساً يومية في الانحراف والجريمة، وصولاً إلى تعاطي المخدرات والتدخين.

بالإضافة إلى غياب الدعم، حيث لا يوجد أي متخصص نفسي أو تربوي أو اجتماعي لمتابعة حالاتهم، بحسب مصدر في إدارة السجن، كما تغيب برامج التعليم أو التأهيل التي قد تساعد في إعادة بناء شخصياتهم.

 ناهيك عن عرقلة المراقبة التي تواجه المنظمات الحقوقية والإنسانية، حيث تجد صعوبة بالغة في الوصول إلى السجن للاطلاع على أوضاع هؤلاء الأطفال، والالتقاء بهم عن قرب، مما يزيد من تفاقم معاناتهم في غياب المراقبة والمساءلة.

تحويل الأطفال إلى أدوات حرب حوثية

يُسلّط الناشطون والحقوقيون الضوء على جانب بالغ الخطورة يتمثل في الاستغلال الفكري والطائفي للأطفال داخل الإصلاحية، من قبل مليشيات الحوثي، فبدلًا من التأهيل، يتم إعطاء الأطفال القريبين من سن الرشد دورات ومحاضرات حوثية طائفية مُسيّسة من قبل عناصر، حوثية ويتم فتح القنوات والإذاعات الحوثية الموجهة بشكل دائم داخل السجن.

هذا التلقين، بحسب مختصين، يغرس التطرف والأفكار المتشددة في عقول الأطفال، ويحوّلهم من ضحايا النظام القضائي إلى مادة خام للاستغلال الحوثي العسكري. وتحذّر المصادر الحقوقية من أن هؤلاء الأطفال يخرجون أكثر انحرافاً وإجراماً، ليصبح منهم من يُستغل في جبهات القتال، في دورة مستمرة من العنف والانتهاك.

 دعوة للتدخل

يُجمع المحامون والناشطون وأولياء الأمور على أن الوضع في السجن الاحتياطي بإب يمثل كارثة إنسانية تتطلب تدخلاً فورياً. ويجب على الناشطين ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والإنسانية العمل على  إنهاء التمييز الطبقي وضمان نقل جميع الأحداث إلى دار الأحداث في السحول، وتوفير الحماية القانونية والنفسية للأطفال المحتجزين، مع ضرورة إطلاق برامج تأهيلية وتربوية عاجلة لإعادة بناء شخصياتهم وحماية مستقبلهم من الانزلاق نحو الجريمة والتطرف.