تعز بين الحصار والقدرة العسكرية.. لماذا لم يُفكّ الحصار؟

لا تزال مدينة تعز حتى اللحظة تعيش تحت وطأة حرب مفتوحة وحصار خانق تفرضه مليشيا الحوثي، في وقت تمتلك فيه القوات الحكومية والتحالف العربي قدرات عسكرية وإسناداً جوياً واسعاً، دون أن ينجح ذلك حتى الآن في إنهاء الحصار وفتح جميع الطرق والممرات المؤدية إلى المدينة.

هذا ما يضعه الشارع اليمني المناهض للمليشيا الحوثية من تساؤل  مشروع في ظل استمرار حصار المدينة وعلى امتداد ريفها وارتفاع ضحايا المدنيين جراء الاستهداف بالصواريخ البالستية والقذائف من قبل مليشيا الحوثي على الاحياء السكنية والمدنيين.

ولكن لا تبدو معركة تعز مجرد مواجهة عسكرية للسيطرة على أحياء أو مساحات جغرافية، وإنما معركة معقدة تدور حول المرتفعات والممرات والطرق وخطوط الإمداد.

فمليشيا الحوثي تستفيد من الطبيعة الجبلية المحيطة بالمدينة، وتتمركز في مواقع مرتفعة ومحصنة تمكنها من مراقبة الطرق وتهديد حركة القوات والإمدادات وإبقاء المدينة تحت الضغط العسكري والإنساني.

وهنا تكمن المفارقة؛ قوة عسكرية متفوقة في الجو، لكنها لا تزال غير قادرة لتحويل هذا التفوق إلى سيطرة برية كاملة على الجغرافيا التي تتحكم في مداخل تعز ومخارجها.

الحصار يضرب المدنيين أولاً

وبينما تستمر المواجهات على مختلف المحاور والجبهات، يبقى المدنيون في تعز الهدف الأكثر تعرضاً للحصار والاجرام الحوثي.

وعلى مدار الساعة يسقط ابرياء ومدنيون جراء الاستهداف بالطيران المسير والصواريخ البالستية والقذائف آخرها وثّق مكتب شؤون الحصار في تعز مقتل امرأة وإصابة ثمانية مدنيين، بينهم طفل، في هجمات وقعت في الخامس من نوفمبر 2026، في وقت تواصل فيه مليشيا الحوثي استهداف الأحياء والقرى السكنية بالقصف والقنص.

كما وثّق مركز تعز الحقوقي خلال أكتوبر 1444 انتهاكاً، شملت مقتل 54 مدنياً وإصابة 147 آخرين، إلى جانب الاختطاف والمداهمات واستهداف المنازل والمرافق الصحية والتعليمية.

وتشير المعطيات إلى أن مليشيا الحوثي شددت الحصار منذ الثالث من سبتمبر، وأنشأت 26 نقطة تفتيش وحاجزاً، وقطعت طرقاً رئيسية، بالتزامن مع منع أو عرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود والأكسجين ومياه الشرب، ما يزيد من حجم الأزمة الإنسانية التي يعيشها نحو مليوني نسمة.

لماذا لم يُفكّ الحصار حتى الآن

بحسب خبراء عسكريين تفرض الطبيعة الجبلية لتعز نفسها كأحد أبرز أسباب تعقيد المعركة. فالمدينة محاطة بمرتفعات ومواقع جبلية تتحكم في الطرق التي تربطها بالمحافظات والمناطق المجاورة، الأمر الذي يجعل السيطرة على هذه المرتفعات شرطاً أساسياً لتأمين أي طريق أو ممر بري.

وتكتسب المرتفعات الغربية والجنوبية الغربية أهمية خاصة، لارتباطها بحركة القوات والإمدادات بين تعز ولحج والساحل وعدن.

ورغم استماتة 

وتستميت مليشيا الحوثي للسيطرة على مدينة تعز والاحتفاظ بمواقع مرتفعة ومحصنة تستطيع من خلالها مراقبة الطرق وتهديد حركة القوات والإمدادات.

ومن هنا تبرز أهمية جبل صبر وجبل حبشي والمرتفعات المحيطة بهما في المعادلة العسكرية، باعتبارها مواقع تتحكم في أجزاء مهمة من شبكة الطرق والممرات.

معركة ممرات لا معركة مدن

المعركة حول تعز لا تدور على مشارف المدينة، وإنما أيضاً حول الممرات التي تشكل شرايين الحياة والإمداد إليها. وتبرز مناطق الكدحة وراسن وجرداد والحجرية وغيرها ضمن المحاور ذات الأهمية العسكرية، نظراً إلى موقعها في شبكة الطرق والمنافذ التي تربط تعز بمحيطها.

وفي المقابل، تسعى القوات الحكومية إلى فتح الممر الرابط بين تعز وعدن، باعتباره أحد أهم خطوط الإمداد البرية، وهو ما يفسر استمرار المواجهات حول هذه المحاور.

لكن فتح الطريق لا يعني السيطرة على جزء منه فقط، بل يتطلب تأمينه بالكامل ومنع مليشيا الحوثي من إعادة قطعه أو استهداف حركة المدنيين والإمدادات.

التفوق الجوي لا يكفي

نفذ طيران التحالف العربي ضربات استهدفت مواقع وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، إلا أن الضربات الجوية وحدها بحسب خبراء عسكريين لا تستطيع فتح ممر بري أو الاحتفاظ بموقع جبلي.. فالسيطرة الجوية يمكن أن تضعف القدرات العسكرية للخصم، لكنها لا تنتج بمفردها سيطرة دائمة على الأرض.

وأعلن مجلس القيادة الرئاسي اليمني تنفيذ القوات الحكومية 40 ألفاً و761 عملية استهداف ضد الحوثيين خلال شهر من انطلاق عملية "فجر اليمن"، إلا أن هذه العمليات لم تترجم حتى الآن إلى كسر كامل للحصار المفروض على تعز.

وهذا يعني أن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بحجم القوة النارية، وإنما بقدرة القوات الحكومية على استثمارها في عملية برية تحقق السيطرة على المواقع والطرق التي تمثل مفاتيح الحصار.

المرتفعات هي مفتاح فك الحصار

إذا كانت الطرق تمثل شرايين تعز، فإن المرتفعات تمثل مفاتيح التحكم بهذه الشرايين. ولهذا، فإن السيطرة على جبل صبر وجبل حبشي والمرتفعات الحاكمة المحيطة بالمدينة تظل عنصراً أساسياً في أي عملية تهدف إلى فك الحصار.

وتسمح السيطرة على هذه المواقع بفتح مسارات للتقدم، وقطع خطوط إمداد مليشيا الحوثي، وتقليص قدرتها على مراقبة الطرق واستهداف القوات وحركة المدنيين.

لكن تحقيق ذلك يتطلب عمليات برية متدرجة ومتكاملة، قادرة على السيطرة على المواقع وتثبيتها وتأمينها، وليس مجرد تحقيق اختراقات مؤقتة سرعان ما يمكن أن تتغير على الأرض.

صعوبة التقدم البري

تجعل التضاريس الجبلية أي تقدم بري عملية بطيئة ومكلفة، فالمرتفعات تمنح القوات المدافعة قدرة أكبر على الرصد والتحصين واستهداف القوات المتقدمة، فيما تزيد الطرق الوعرة والممرات الجبلية من صعوبة نقل القوات والمعدات والإمدادات.

كما أن الطريق باتجاه عدن يمتد لنحو 200 كيلومتر، ما يجعل تأمينه عملية واسعة ومعقدة، خصوصاً مع استمرار مليشيا الحوثي في تفجير الجسور وقطع الطرق.

وبالتالي، فإن نجاح أي عملية لفك الحصار لا يتوقف عند فتح الطريق، بل يتطلب الحفاظ عليه وتأمينه وتحويله إلى ممر آمن ومستدام.

استنزاف الحوثيين لا يعني سقوط الحصار

مؤخراً أعلنت القوات الحكومية سيطرتها على مواقع في عدد من محاور تعز، وتصديها لمحاولات الحوثيين استعادة تلك المواقع، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت تجمعات ومعدات عسكرية لهم.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 1382 عملية ضمن عملية "فجر اليمن" خلال ساعات، قالت إنها أسفرت عن تحييد نحو 440 من عناصر الحوثيين وقياداتهم.

وتشير هذه الأرقام إلى استمرار الضغط والاستنزاف العسكري، لكنها لا تعني وحدها أن الحصار بات في طريقه إلى الانهيار، ما لم تتحول المكاسب العسكرية إلى سيطرة فعلية على المواقع التي تتحكم في الطرق والممرات.

معركة عسكرية وضرورة إنسانية

فك حصار تعز لا يمثل هدفاً عسكرياً فقط، بل ضرورة إنسانية مباشرة، فأي تقدم نحو فتح الطرق يجب أن يضع في الاعتبار سلامة المدنيين، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها خطوط المواجهة مع التجمعات السكانية.

وفي المقابل، يمثل فتح ممرات آمنة لإيصال الغذاء والدواء والوقود والأكسجين ومياه الشرب أقل الخيارات كلفة على السكان.

لكن استمرار الحصار والقصف والقنص يجعل الضغط العسكري جزءاً من المعادلة، مع ضرورة أن تكون العمليات دقيقة ومركزة على مواقع الحصار والمرتفعات الحاكمة، بعيداً عن تعريض المدنيين لمخاطر إضافية.

تعز بحاجة إلى تغيير معادلة الأرض

تعيش تعز حتى اللحظة حرباً وحصاراً وتصعيداً عسكرياً متواصلاً، ولذلك فإن السؤال عن عدم فك الحصار لا يمكن اختزاله في غياب القوة أو ضعف الإسناد الجوي. القضية الأساسية هي أن الحصار قائم على معادلة جغرافية وعسكرية؛ مرتفعات تتحكم في الطرق، وطرق تتحكم في الإمدادات، وإمدادات تحدد قدرة المدينة على الصمود.

ولهذا، فإن تحويل التفوق الجوي إلى سيطرة برية مستدامة على المرتفعات والممرات الحاكمة يظل العامل الأهم في أي مسار جاد لفك الحصار.

وفي الوقت نفسه، تفرض الكلفة الإنسانية للحصار ضرورة مواصلة الضغط من أجل فتح الطرق والممرات الآمنة أمام السكان والإمدادات الأساسية.

فمع استمرار الحرب والحصار حتى اللحظة، لن يتغير واقع تعز بمجرد زيادة عدد الغارات أو العمليات العسكرية، وإنما عندما تتغير المعادلة على الأرض، وتنتقل السيطرة على المرتفعات والممرات من كونها أدوات لخنق المدينة إلى شرايين مفتوحة للحياة والحركة.