مسيرة الدم والتدمير
شهد اليمن على مدى عقدين من الزمن واحدة من أكثر المحطات قسوة وألماً في تاريخه الحديث، إثر الصعود المسلح لجماعة الحوثي التي خطّت مسارها بالدم والبارود منذ شرارة حرب صعدة الأولى عام 2004. لم تكن تلك الحروب المبكرة مجرد نزاع محلي، بل كانت التأسيس الفعلي لمنهجية قائمة على التمرد والعنف والخروج المسلح على الدولة والمجتمع وتفجير منازل الخصوم وهدم المؤسسات وتهجير المخالفين فكرياً، وقمعهم واستمرت هذه السلوكيات التي هي عبارة عن عقيدة دينية دفعت الجماعة سياسيا وعسكريا إلى اجتياح العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، مقوضةً أركان الدولة ومحاصرةً قيادتها ومصادرةً مؤسساتها في انقلاب مسلح أدخل البلاد في نفق مظلم.
ومع تمدد الانقلاب، تحولت اليمن إلى ساحة لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية طالت مختلف شرائح المجتمع، حيث فرضت الجماعة حصاراً خانقاً على مدينة تعز لسنين طويلة ووالت قصف أحيائها السكنية بالمدفعية والقناصة، بالتوازي مع مجازر واعتداءات متكررة في الحديدة ومأرب وشبوة والجوف وأبين وحجور والبيضاء وعدن والضالع ولحج وحجة وذمار ودمت.. وغيرها من محافظات اليمن ولم تكتفِ الجماعة بالقصف المباشر، بل زرعت مئات الآلاف من الألغام العشوائية المحرمة دولياً في المزارع والطرقات والقرى، لتتحول الأرض نفسها إلى مصيدة حصدت أرواح آلاف المدنيين وخلفت إعاقات دائمة لدى أعداد لا تحصى من الأطفال والنساء.
وداخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، أنشأت الجماعة سلطة قمعية تقوم على الإخفاء القسري والتعذيب، إذ امتلأت المعتقلات السرية والعلنية بالآلاف من الصحفيين، والأكاديميين، والسياسيين، والعلماء ومشايخ القبائل ..حتى النساء اللاتي تعرضن لانتهاكات غير مسبوقة تصادم الأعراف اليمنية، وتوجت الجماعة هذا القمع بمسرحيات محاكمات هزلية أصدرت خلالها أحكام إعدام استعراضية، كما حدث في محافظة إب ، والحديدة، ولم يقتصر البطش على الجانب الجسدي، بل امتد إلى التجويع الشامل عبر نهب مرتبات الموظفين منذ سنوات، ونهب المساعدات الإنسانية الدولية وجباية أموال المواطنين بالقوة لتغذية المجهود الحربي، بالتوازي مع تجريف الهوية الوطنية وتطييف المناهج المدرسية وتجنيد آلاف الأطفال قسراً عبر المراكز الطائفية، والدفع بهم إلى محارق الموت.
ولم تقف آثار هذه الجرائم عند الحدود اليمنية، بل امتدت لتشكل تهديداً كبيراً للأمن الإقليمي والدولي، عبر استهداف الأعيان المدنية والمنشآت النفطية والأماكن المقدسة في دول الجوار بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وصولاً إلى تعريض حركة الملاحة والتجارة العالمية في البحر الأحمر وباب المندب للخطر المباشر من خلال قرصنة السفن وزرع الألغام البحرية، لتتكامل بذلك فصول تراكمية من الانتهاكات الجسيمة التي لم تكتفِ بتدمير حاضر اليمنيين ومقدراتهم، بل استهدفت مستقبله ونسيجه الاجتماعي، مخلّفة إحدى أشد الأزمات الإنسانية عمقاً وتعقيداً في العالم.