تعز بين الحصار والمعركة.. هل ستفتح «فجر اليمن» ممراً إنسانياً وتكسر حصار المليشيا للمدينة

تعز، التي كانت وما زالت منذ سنوات رمزاً للمقاومة المدنية في اليمن، تعود اليوم إلى مركز المشهد الحربي من زاوية أخطر: معارك متصاعدة بين القوات الحكومية المعترف بها دولياً والحوثيين، وحصار يضغط على المدينة، ونزوح واسع يهدد بكارثة إنسانية. فبينما تتحدث القوات الحكومية عن تقدم ضمن عملية فجر اليمن، تتحدث الأمم المتحدة عن نزوح يقارب 260 ألف شخص في اليمن منذ مطلع أغسطس، نحو نصفهم لجأ إلى تعز.

مدينة محاصرة وميدان معركة

بدأت عملية، فجر اليمن في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، معلنةً من القوات الحكومية استعادة مواقع في ذو باب ومحيط باب المندب وجبال حيفان وغرب تعز. 

لكن التطور الأكثر إلحاحاً لم يكن في خطوط التماس وحدها، بل في اقتراب المعارك من مناطق مكتظة بالسكان داخل محيط مدينة تعز، حيث تتركز المواجهات على المحاور الغربية والجنوبية.

وأمس الخميس 22 أكتوبر، أفادت مصادر عسكرية حكومية بأن القوات والمقاومة الشعبية صدت محاولات حوثية لاستعادة مواقع غرب المدينة وجنوبها، وسط إسناد جوي مكثف ضمن العملية. 

كما أُفيد بمقتل قيادي حوثي في جبهة الشقب بمديرية صبر الموادم، في إشارة إلى استمرار المعارك المتصلة بمحيط المدينة.

غير أن المكاسب العسكرية المعلنة لا تعني بالضرورة تحسناً في وضع السكان؛ فالمدينة التي تعاني أصلاً من قيود على الحركة والإمداد، تجد نفسها اليوم بين نيران القتال من جهة، وإغلاق الطرق الحيوية الرابطة بينها وبين عدن من جهة أخرى.

نداء أممي لممر إنساني

طلب المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك فتح ممر إنساني لإيصال المساعدات إلى تعز، محذراً من أن إغلاق الطريق الرابط بين المدينة وعدن يعطّل وصول الإمدادات ويحرم السكان من المواد الأساسية. وأشار إلى أن تعطل الإمدادات رفع أسعار الغذاء والاحتياجات الضرورية، في وقت تتعرض فيه المدينة لضغوط متزايدة بسبب الحصار.

كما دعت منظمة العفو الدولية مليشيات الحوثي إلى فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً، محذرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة المساعدات يعرّضان مئات الآلاف للخطر، خصوصاً مع اقتراب الاشتباكات من المناطق السكنية.

تضع هذه المطالب السؤال الإنساني في قلب عملية فجر اليمن، التي تسعى القوات الحكومية من خلالها إلى كسر الحصار المفروض على مدينة تعز وفتح الطريق أمام وصول الإغاثة إلى المدنيين. فالمليشيا الحوثية هي التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن إغلاق الطرق الحيوية الرابطة بين تعز وعدن، والمدن الأخرى وعرقلة مرور الغذاء والدواء والوقود، وتقييد حركة السكان والجرحى.

ومع ذلك، لا يكفي أن تكون العملية العسكرية موجهاً لكسر الحصار فقط، إذ يحتاج المدنيون إلى ترتيبات إنسانية عاجلة وملزمة تضمن مرور قوافل الإغاثة بأمان، وتفتح ممراً آمناً لنقل المرضى والجرحى والنازحين.

وعلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أن تضاعف جهودها للضغط الفعلي على الحوثيين لفتح الطرق فوراً، ولضمان حماية المدنيين والمرافق الصحية، وعدم ترك تعز وحدها أمام أزمة إنسانية تتعمق يوماً بعد يوم.

نزوح يقترب من نصف مليون داخل تعز

أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» بأن القتال المتجدد أجبر نحو 260 ألف شخص على النزوح في اليمن منذ بداية أغسطس، وأن نحو نصفهم لجأوا إلى محافظة تعز. وهذا يعني أن تعز لم تعد مجرد ساحة قتال، بل أصبحت أيضاً وجهة رئيسية للنازحين الفارين من الجبهات الأخرى.

ويأتي هذا الرقم في وقت تشير فيه تقارير أممية إلى أن الصراع أسفر عن 251 إصابة مدنية موثقة منذ أغسطس، بينها 57 قتيلاً و194 جريحاً، وأن الأطفال يشكلون نصف الوفيات المدنية.

وهي أرقام تعكس حجم الخطر الذي يواجه المدنيين، وتزيد من إلحاح الحاجة إلى حماية المدنيين وفتح مسارات آمنة للإخلاء والمساعدة.

ورغم الصعوبات، تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها الاستجابة؛ إذ تشير المعلومات، تلقى سابقاً نحو 190 ألف شخص مساعدات غذائية طارئة، وحصل أكثر من 117 ألف شخص على مساعدات نقدية، واستفاد 96 ألف شخص من خدمات المياه والصرف الصحي. 

لكن الأمم المتحدة أكدت أن الوصول إلى مدينة تعز لا يزال متعثراً بشدة، وأن الاستجابة لا تلبي حجم الاحتياج المتزايد.

أزمة صحة ووقود ودواء

لم يعد الخطر في تعز مقتصراً على القصف والنزوح، بل امتد إلى المنظومة الصحية. فالسلطات المحلية حذرت من أزمة صحية وشيكة بسبب نقص الوقود والدواء الناتج عن الحصار، مع مخاطر مباشرة على حياة الأطفال حديثي الولادة والأطفال الخدج في المدينة.

كما رصدت تقارير إعلامية مقتل تسعة مدنيين وإصابة 42 آخرين خلال أسبوع واحد نتيجة القصف والقنص، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف خارج خطوط التماس التقليدية.

وفي مثل هذه الظروف، يتحول غياب الوقود إلى أزمة مركبة؛ توقف أو تراجع عمل المولدات يهدد المستشفيات وثلاجات الأدوية والأكسجين، بينما يصعّب نقل المرضى والإمدادات الطبية داخل المدينة وخارجها.

بين الحسم العسكري والكلفة الإنسانية

تشن القوات الحكومية ضربات مكثفة ضد مواقع وتجمعات وإمدادات الحوثيين، وأعلنت أمس الخميس تنفيذ 780 عملية استهداف خلال 24 ساعة، وتحييد نحو 512 عنصراً، وتدمير أو إعطاب أكثر من 330 آلية عسكرية.

 لكن هذه الحصيلة، التي تصدر عن المتحدث العسكري الحكومي، لا تغير حقيقة أن المعركة في تعز تُخاض في محيط سكني كثيف، وأن أي تصعيد ينعكس مباشرة على المدنيين.

ويبقى السؤال العملي: هل يمكن فصل العمليات العسكرية عن الحاجة الإنسانية؟

الإجابة الميدانية اليوم تقول إن الفصل صار شبه مستحيل؛ فكل تقدم أو تراجع في الجبهات ينعكس على أسعار السلع، وحركة النازحين، وقدرة المستشفيات، وفرص وصول المساعدات.

ولذا وبحسب خبراء وحقوقيين فإن الوضع في تعز يتطلب، ثلاث خطوات متوازية لا تتعارض مع بعضها:

فتح ممر إنساني آمن ومستدام لإدخال الغذاء والدواء والوقود، وإخراج الجرحى والمدنيين الأكثر عرضة للخطر.

ضمان حماية المدنيين والمرافق الصحية والمدارس ومناطق الإيواء، ومنع الاستهداف الذي يطول الأحياء السكنية.

توسيع الاستجابة الإنسانية خارج المدينة، خصوصاً في مناطق استقبال النازحين، مع تمويل عاجل للمأوى والغذاء والمياه والدعم النقدي.

ختاماً، تبقى تعز اليوم اختباراً حقيقياً لعملية فجر اليمن؛ فإذا نجحت في تأمين ممر إنساني وحماية المدنيين، فقد تقلل من كلفة الحرب ولو جزئياً.  أما إذا استمر الحصار وتسارع النزوح وتعطلت الخدمات الصحية، فإن المدينة قد تدخل مرحلة إنسانية أخطر، لا يحددها حجم المعارك وحده، بل قدرة السكان على البقاء.