كيف ولدت فكرة الجمهورية لدى أحرار اليمن قبل ثورة 26 سبتمبر؟
ربما تساءلت يوماً: كيف جاءت فكرة النظام الجمهوري لدى أحرار ثورة 26 سبتمبر 1962، عندما كانوا يخططون للتخلص من نظام الإمامة الزيدية واستبداله بنظام جديد يعيد الاعتبار للشعب باعتباره مصدر السلطة؟ ومتى بدأت هذه الفكرة؟ ومن اقترحها؟ وكيف جرى التعامل معها في بداياتها؟ وما المراحل التي مرت بها والنقاشات التي دارت حولها؟ وما دور العوامل المحلية والخارجية في إنضاجها لدى قادة الحركة الوطنية؟
هذه الأسئلة وغيرها، نحاول الإجابة عنها في هذا المقال، من خلال استعراض تاريخي لمسار الحركة النضالية ضد حكم الإمامة، وتتبع البدائل التي ناقشها الأحرار كنموذج للحكم في اليمن بعد إسقاط النظام الإمامي.
ولا يقتصر الهدف على فهم أحداث الماضي، بل يتصل أيضاً بتوضيح حجم التضحيات التي قدمها أحرار سبتمبر ومن سبقهم، وأنهم لم يثوروا على حكم الإمام يحيى ثم ابنه الإمام أحمد من دون تصوّر لطبيعة المرحلة التالية أو للنظام الذي يرونه مناسباً لليمن.
ومن هذه الزاوية، لم تكن الجمهورية بالنسبة إلى الحركة الوطنية مجرد صيغة سياسية بديلة، بل جاءت في سياق تحولات فكرية وسياسية أوسع رافقت الانتقال من نظام الإمامة إلى الدولة الجمهورية الحديثة.
وللوصول إلى صورة أقرب إلى الدقة، لا بد من العودة إلى شهادات عدد من الذين شاركوا في التخطيط والإعداد للثورة وتنفيذها، إلى جانب آراء مؤرخين ومثقفين اهتموا بتاريخها، وهي شهادات وردت في ندوة نقاشية وثقها كتاب "ثورة 26 سبتمبر: دراسات وشهادات للتاريخ"، الصادر عن مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء، الذي كان يرأسه الدكتور عبد العزيز المقالح.
إرهاصات الجمهورية قبل 1948
لم يكن سؤال إقامة نظام جمهوري بديلاً عن الإمامة وليد لحظة ثورة 26 سبتمبر، بل تعود جذوره إلى ما قبل ثورة الدستور عام 1948.
ويقول القاضي عبد السلام صبرة إن بعض أفراد الرعيل الأول من الحركة الوطنية كانوا يطرحون ضرورة التخلص من الإمامة وإقامة نظام جمهوري، غير أن الغالبية كانت ترى أن الظروف آنذاك لا تسمح بالانتقال المباشر إلى الجمهورية.
وهذا يعني أن فكرة الجمهورية كانت حاضرة، ولو بصورة محدودة، في النقاش السياسي المبكر للحركة الوطنية، ولم تكن فكرة ظهرت فجأة مع اندلاع الثورة عام 1962.
لكن كيف كان اليمنيون ينظرون إلى الجمهورية في أربعينيات القرن الماضي؟
يجيب صبرة بأن معظم الشعب اليمني لم يكن يدرك حتى معنى كلمة "الجمهورية"، وهو أمر يمكن فهمه في ظل طبيعة نظام الإمامة الذي حدّ من انتشار التعليم والاتصال بالعالم الخارجي، وجعل قطاعات واسعة من المجتمع بعيدة عن التحولات السياسية التي كانت تجري خارج اليمن.
وإذا كان هذا حال عامة الناس، فكيف كان بعض رموز الحركة الوطنية ينظرون إلى الجمهورية؟
يشير صبرة إلى وجود اتجاه متحفظ تجاه الفكرة، كان من أبرز ممثليه حسين الكبسي، الذي رأى أن مفهوم الجمهورية لم يكن مستوعباً حتى في بعض الدول العربية التي قطعت مراحل أطول في التطور السياسي ومرت بتجارب الاستعمار واكتسبت قدرًا أكبر من الثقافة السياسية.
ومن هنا كان يرى أن الحل المرحلي يتمثل في استبدال إمام بآخر دستوري، بما يفتح الطريق أمام الإصلاح تدريجياً.
إذن، كانت الجمهورية حاضرة في النقاش، لكن تبنيها لم يكن موقفاً جماعياً أو نهائياً للحركة الوطنية في تلك المرحلة.
ويخلص صبرة إلى أن الفكرة لم تُطرح بصورة أكثر وضوحاً إلا بعد سنوات من فشل حركة 1948.
علي الوزير والجمهورية قبل حركة 1948
ومن الإشارات المبكرة إلى فكرة الجمهورية ما أورده الرحالة الإيطالي سلفاتور أبونتي في كتابه "هذه هي اليمن"، إذ ذكر أن علي الوزير كان ينادي بالجمهورية منذ عام 1935، وكان معارضاً لفكرة ولاية العهد.
وقد توقف الدكتور عبد العزيز المقالح عند هذه الإشارة، مشدداً على ضرورة الاهتمام بها عند دراسة جذور الفكر الجمهوري في اليمن.
كما يشير المؤرخ المصري سيد مصطفى سالم، الذي كتب العديد من الدراسات حول اليمن، إلى ما أورده زيد الوزير في كتابه "محاولة لفهم المشكلة اليمنية" عن اجتماع عُقد في زبيد بعد وفاة الإمام يحيى، وحضره حسين بن الإمام يحيى، وعبد الله الوزير، وعلي بن حمود شرف الدين، وعلي الوزير، بهدف بحث مسألة اختيار الإمام واستبعاد أحمد عن ولاية العهد، وبالتالي عن الإمامة.
وتذهب بعض الروايات إلى أن علي الوزير كان معارضاً لفكرة الإمامة نفسها ومؤيداً للجمهورية.
لكن هل كان اجتماع زبيد يمثل بالفعل نقطة البداية المبكرة للفكرة الجمهورية في اليمن؟
هذا السؤال طرحه سالم في الندوة، فأجاب القاضي صبرة بأن علي الوزير كان مقتنعاً بأن عناد الإمام يحيى وغروره سيجعلان أي فكرة إصلاحية، حتى لو كانت محدودة، غير قابلة للقبول.
وينقل صبرة عن علي الوزير قوله أمامه وأمام عبد الوهاب نعمان:
"لقد وصلنا إلى مرحلة يُعتبر السكوت فيها خيانة للوطن والدين. نظام الإمام يحيى أخذ كل ما استطاع انتزاعه تجبرًا من المواطنين دون تقديم أقل خدمة للشعب، ويجب الانقضاض على هذا النظام الجائر".
لكن صبرة يتحفظ في تحديد الهدف النهائي لعلي الوزير، ويقول:
"لا يمكنني الجزم أن علي الوزير كان يهدف مباشرة إلى إقامة النظام الجمهوري على أنقاض النظام الإمامي".
بعد 1948.. الجمهورية تدخل النقاش الجدي
عند الحديث عن بداية ظهور الفكر الجمهوري بصورة أكثر وضوحاً، تبرز الحاجة إلى فهم العوامل التي دفعت أحرار اليمن إلى إعادة النظر في فكرة الإمامة، وفي الطرح الذي كان يدعو إلى استبدال إمام بآخر بعد فشل حركة 1948.
فقد كانت الحركة أمام معضلة حقيقية: الجمهورية كانت مفهوماً حديثاً نسبياً في المنطقة العربية، كما أن قطاعات واسعة من اليمنيين لم تكن تعرفها أو تتصور طبيعة نظامها، بينما كان بعض رموز الحركة الوطنية لا يزالون يرون أن التغيير التدريجي من داخل النظام قد يكون أكثر واقعية.
وهنا يؤكد المناضل محمد عبد الله الفسيل ما ذهب إليه صبرة من أن فكرة الجمهورية طُرحت بصورة جادة بعد فشل حركة 1948، ويضيف أن محمد أحمد نعمان كان من أوائل الذين تبنوها، قبل أن يقنع بها لاحقاً شخصيات بارزة، بينها الشهيد محمد محمود الزبيري.
ويفسّر الفسيل تحفظ معظم اليمنيين تجاه الجمهورية في ذلك الوقت بعمق إيمانهم بالإمامة، التي كانت بالنسبة إليهم عقيدة دينية راسخة.
وبحسب شهادته، كان الإمام يحيى يمثل في الوعي العام رمز الإمامة ذات البعد الروحي، بينما أصبح ابنه الإمام أحمد، بعد وفاة والده، رمزاً للبطش أكثر من كونه ممثلاً لذلك البعد الروحي.
ومن هذه الزاوية، يرى الفسيل أن حركة 1948، رغم فشلها، أحدثت تحوّلاً مهماً؛ إذ أسهمت في إسقاط رمزية الإمام يحيى بوصفه رمزاً مطلقاً للإمامة. أما حركة 1955، فقد ارتبط فشلها ببقاء الإمام أحمد حيًا في السلطة، بما أبقاه رمزاً للبطش والقوة.
ومع تراجع الهالة الدينية المحيطة بالإمام أحمد والإمامة، أصبحت الجمهورية أكثر قابلية للطرح بوصفها بديلاً جذرياً.
ويقول الفسيل إن محمد أحمد نعمان كان من أوائل من أدركوا هذا التحول، وسعى إلى نشر الفكرة جماهيريًا عبر صحف المعارضة في عدن، قبل أن تحظى بدعم قطاعات واسعة من الأحرار.
هل جاءت الجمهورية من الخارج؟
يطرح هذا المسار سؤالاً آخر: هل كانت الجمهورية فكرة مستوردة من الخارج، ولا سيما من مصر بعد ثورة يوليو 1952؟
يقول الفسيل إن تقسيم الحركة الوطنية إلى "داخل" و"خارج" ليس دقيقاً؛ لأن الأفكار كانت تنتقل باستمرار بين الأحرار عبر الصلات والتواصل بينهم، ولذلك كانت الحركة في جوهرها واحدة، ولم تكن الأفكار حبيسة الداخل أو الخارج.
وعندما طلب الدكتور المقالح من الفسيل تحديد الفترة التي طُرحت فيها الجمهورية بصورة واضحة، أجاب بأنها طُرحت في يونيو أو يوليو بعد فشل حركة 1955.
وهنا تظهر نقطة مهمة: إعلان الجمهورية بصورة واضحة بعد 1955 لا يعني بالضرورة أن جذورها لم تكن موجودة قبل ذلك.
بين الجمهورية وولاية العهد
كانت فكرة الجمهورية تنافس في تلك الفترة طرحاً آخر تمثل في اختيار ولي للعهد من داخل الأسرة الحاكمة، باعتباره خطوة أولى نحو الإصلاح.
ويستعرض القاضي أحمد العرفي واقعة اجتماع زبيد، مشيراً إلى أن علي الوزير، عندما طُرحت عليه مسألة البيعة للإمامة، قال إنه لا يصلح للخلافة لأنه أعور، لكنه اقترح الانتقال إلى الجمهورية.
ويضيف العرفي أن علي الوزير كان يفكر في إقامة نظام جمهوري في وقت كانت فيه معظم الأقطار العربية ملكية، كما أيد أن يكون عبد الله الوزير خياراً لمرحلة انتقالية تمهد لاحقاً للنظام الجمهوري.
ويعود المقالح إلى الإشارة التي أوردها أبونتي، والتي تفيد بأن علي الوزير كان مؤيداً للجمهورية حتى قبل عام 1948.
لكن الفسيل يتعامل مع هذه الروايات بحذر، معتبراً أن تناول موقف علي الوزير يحتاج إلى تحليل تاريخي موضوعي، لا إلى الاكتفاء برواية واحدة، كما يلفت إلى أن موقف علي الوزير من ولاية العهد لا ينبغي بالضرورة تفسيره بوصفه موقفاً جمهورياً؛ لأن معارضة ولاية العهد كانت مرتبطة أيضاً بالعقيدة الإمامية نفسها.
ويتفق الأديب والشاعر أحمد قاسم الدماج مع الفسيل في أن التيارات التي تبنت الجمهورية بصورة أكثر وضوحاً ظهرت بعد فشل حركة 1955.
لماذا استمر الأحرار في طرح ولاية العهد؟
إذا كانت الجمهورية قد أصبحت خياراً مطروحاً بعد 1955، فلماذا استمر الأحرار في إثارة قضية ولاية العهد؟
طرح المقدم علي ناجي الأشول هذا السؤال خلال الندوة، فأجاب الفسيل بأن طرح قضية ولاية العهد كان ذا بعد تكتيكي؛ إذ كان الهدف إحداث انقسامات داخل الأسرة الحاكمة، وليس تبني ولاية العهد باعتبارها نموذج الحكم النهائي.
وهذا يكشف جانباً من مرونة الحركة الوطنية في استخدام الخيارات السياسية المتاحة في صراعها مع نظام الإمامة، قبل أن تستقر الجمهورية بوصفها البديل الذي تبنته الثورة لاحقاً.
ثورة يوليو المصرية وتأثيرها
في تلك الفترة، كانت أصداء ثورة 23 يوليو 1952 في مصر تتسع في البلدان العربية، ومن الطبيعي أن تصل تأثيراتها إلى اليمن.
لكن الفسيل يميّز بين تأثير الثورة المصرية في شحذ تطلعات الأحرار وبين القول إنها كانت مصدر فكرة الجمهورية نفسها.
وبحسب شهادته، أسهمت الثورة المصرية في خلق تطلعات وآمال جديدة، إلا أن هذا التأثير تبلور بصورة أوضح بعد فشل حركة 1955، عندما أصبحت الجمهورية خياراً مطروحاً بجدية داخل الحركة الوطنية اليمنية.
أما المناضل علي الضبة، فيرى أن النظام الجمهوري فرض نفسه باعتباره الخيار الوحيد وأن الإمامة كانت، من وجهة نظره، قد فقدت مقومات استمرارها قبل عام 1962، وأن بقاءها حتى الثورة كان مرتبطاً بغياب البديل.
انتفاضات 1959.. الجمهورية تقترب من الميدان
وبالانتقال إلى انتفاضات عام 1959، يطرح المقالح سؤالاً حول ما إذا كانت تلك الأحداث تمثل إرهاصاً مباشراً لثورة سبتمبر.
ويجيب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بأن الأحرار كانوا يفكرون باستمرار في التغيير نحو الأفضل، وأن فكرة الجمهورية تبلورت بصورة أوضح بعد حركة 1955.
ويضيف أن الانتفاضات القبلية عام 1959 كانت تهدف إلى إقامة الجمهورية، لكنها أُجهضت بعد عودة الإمام أحمد المفاجئة من روما، ما دفع عدداً من الأحرار إلى مغادرة البلاد.
وفي هذا السياق، يصف المقالح الشهيد حميد بن حسين، والشهيد حسين بن ناصر الأحمر، وغيرهما ممن سقطوا في أحداث 1959، بأنهم من أوائل شهداء الجمهورية.
لكن الفسيل يضيف تحفظاً مهماً، إذ يرى أن انتفاضات ذلك العام كانت تهدف بالفعل إلى إحلال النظام الجمهوري، إلا أن الإجماع حول الجمهورية لم يكن قد اكتمل، ولذلك ظل الأمر مفتوحًا حتى قيام الثورة.
من النخبة إلى الشباب والضباط
لم تكن الحركة الوطنية محصورة في فئة عمرية أو اجتماعية واحدة، بل شارك فيها علماء ومثقفون وعسكريون وطلاب وشباب، وهو ما ساعد على انتقال فكرة الجمهورية من نطاق النقاش بين النخب إلى المجال الأوسع للحركة الوطنية.
ويقول أحمد جابر عفيف إن فكرة الجمهورية انتشرت بعد فشل حركة 1955، ولا سيما بين الشباب، وأصبحت محوراً للنقاشات الفكرية والسياسية.
ومع الوقت، ترسخت الفكرة داخل أوساط الضباط والشباب، ولا سيما في تنظيم الضباط الأحرار.
ويربط عفيف ذلك أيضاً بتراجع صورة الإمام أحمد في الوعي العام، إذ لم يعد يمثل الإمامة بالطريقة نفسها التي كان يمثلها والده الإمام يحيى، بما يعني، وفق تفسيره، أن الأساس العقائدي الذي استند إليه النظام بدأ يتآكل في وعي الناس.
وعندما سأل سيد مصطفى سالم عن الكيفية التي وصلت بها الفكرة إلى الشباب، أجاب المناضل علي ناجي الأشول بأن الوسائل كانت متعددة، من بينها الصحف والإذاعات والتنظيمات السياسية، إضافة إلى التأثر بثورة يوليو المصرية وما حققته من إنجازات.
وهكذا ساهم تراكم هذه المؤثرات في جعل الجيل الجديد أكثر استعداداً لمناقشة الجمهورية بوصفها نموذجاً بديلاً للحكم.
عوامل متعددة أنضجت الفكرة
وعند تلخيص العوامل التي ساعدت على بلورة النظام الجمهوري، يشير الدكتور عبد الرحمن الحداد إلى مجموعة من العوامل، من بينها استقلال عدد من الدول العربية، وفشل حركتي 1948 و1955، والصلة الفكرية بالحركات الإسلامية المستنيرة، وتأثير ثورة يوليو المصرية، إلى جانب التجربة التاريخية لليمن مع أنماط أكثر مرونة في الحكم.
ويضيف الفسيل أن إعلان الجمهورية علناً بعد فشل حركة 1955 لا يعني أن بذور الفكرة وإرهاصاتها لم تكن موجودة قبل ذلك.
أما القاضي محمد السياغي، فيستعيد جانباً من ذكرياته في السجن عقب حركة 1948، ويقول إن رسائل كانت تصل إلى السجناء من الخارج تطلب منهم إبداء آرائهم في النظام البديل في حال نجاح الثورة.
ويقول السياغي:
"وللحقيقة كنت أول من اقترح أن يكون البديل هو النظام الجمهوري، وذلك قبل عام 1959".
وهذه الشهادة تضيف رواية أخرى إلى النقاش حول من طرح فكرة الجمهورية أولاً ومتى ظهرت، وتؤكد أن تحديد "صاحب الفكرة الأول" لا يبدو مسألة محسومة من خلال شهادة واحدة، وإنما يحتاج إلى مقارنة الروايات والوثائق والسياقات المختلفة.
من الفكرة إلى الثورة
تكشف هذه الشهادات أن الجمهورية لم تكن فكرة وُلدت صباح 26 سبتمبر 1962، وإنما مرت بمسار طويل من النقاش والتجربة والتردد وإعادة النظر وأن إرهاصاتها لدى بعض رموز الحركة الوطنية ظهرت قبل 1948، وظلت في البداية فكرة محدودة تنافسها أطروحات إصلاحية تدعو إلى تغيير الإمام أو إدخال إصلاحات دستورية داخل النظام الإمامي.
بعد ذلك، دفعت تجربة 1948 الأحرار إلى إعادة التفكير في شكل النظام البديل، قبل أن تصبح الجمهورية أكثر وضوحاً بعد فشل حركة 1955، وتنتقل تدريجياً من النقاش الفكري إلى العمل السياسي والتنظيمي، ثم تتعزز خلال انتفاضات 1959، وتجد طريقها إلى أوساط الشباب والطلاب والضباط.
وبذلك، فإن ثورة 26 سبتمبر لم تبدأ من فراغ فكري؛ فقد سبقتها سنوات من الجدل حول شكل الدولة التي ينبغي أن تقوم بعد سقوط الإمامة.
وكانت الجمهورية، في نهاية ذلك المسار، ثمرة نقاش طويل شاركت فيه أجيال متعددة من الأحرار، واختلطت في صياغته التجارب المحلية بالتحولات العربية والإقليمية، حتى انتقلت الفكرة من مجرد بديل مطروح للنقاش إلى مشروع سياسي أعلنته الثورة في 26 سبتمبر 1962.