خطوط صنعاء الحمراء.. حسابات السياسة وضغوط الإقليم التي تكبح المعركة المالية في اليمن
بينما تقف الجمهورية اليمنية على أعتاب تحولات دراماتيكية عميقة، لا تزال جبهات الصراع الاقتصادي تعيش مشهداً من الغموض والارتداد الاستراتيجي.
في منتصف عام 2024، ظن الكثيرون أن الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً قد أمسكت أخيراً بمفاتيح الحسم. تجسد ذلك عبر حزمة قرارات مصيرية أصدرها البنك المركزي اليمني في عدن، قضت بقطع الشريان المصرفي الدولي (نظام سويفت) عن البنوك الرافضة للتموضع في العاصمة المؤقتة عدن، وإلغاء العمل بالطبعات النقدية القديمة التي تفرضها الميليشيا الحوثية كسلاح للانقسام النقدي.
لكن، وبصورة مفاجئة أصيب الشارع اليمني بالخيبة، تراجعت الحكومة الشرعية تحت لافتة التفاهمات والتهدئة التي رعتها الأمم المتحدة ومارس الإقليم ضغوطاً ثقيلة لإنفاذها.
هذا التقرير يسلط الضوء على الأبعاد الخفية والحسابات المعقدة التي تكبح جماح، المعركة المالية وتمنع الشرعية من تشديد الخناق المالي والمصرفي على الميليشيا الانقلابية.
من حافة العزل الدولي إلى طوق النجاة
مثّلت قرارات البنك المركزي في عدن الصادرة برقم 20 لسنة 2024 زلزالاً ضرب أركان الاقتصاد الموازي للميليشيا الحوثية.
القرارات قضت بإيقاف التعامل مع ستة من أكبر المصارف التجارية العاملة في مناطق سيطرة الميليشيا (من بينها بنك الكريمي، والتضامن، واليمن الدولي).
كان هذا الإجراء كفيلاً بتجريد الميليشيا من السيطرة على الكتلة النقدية الضخمة وحرمانها من غطاء محلي لتمويل أنشطتها العسكرية وعمليات غسيل الأموال ومصادرة ودائع المعارضين.
مع ذلك، لجأت مليشيا الحوثي إلى استراتيجية الابتزاز العسكري والتهديد المباشر بضرب المنشآت الحيوية في دول الجوار، مستغلة رغبة القوى الإقليمية في الحفاظ على حالة الهدنة غير المعلنة، لتأمين ممراتها اللوجستية ومشروعاتها التنموية. ونتيجة لهذه الضغوط المتصاعدة من أطراف إقليمية بالتوازي مع تحركات مكثفة من مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، أُجبر مجلس القيادة الرئاسي على التراجع وإلغاء القرارات المصرفية في يوليو 2024، بذريعة إتاحة الفرصة لإنجاح خارطة الطريق الأممية.
هذا التراجع لم يحرم الشرعية من أهم أوراق القوة وحسب، بل منح الانقلابيين مساحة لالتقاط الأنفاس وإعادة هيكلة أدواتهم المالية بنوع من الحصانة الضمنية.
المجتمع الدولي والإقليمي.. تقاعس مغلف بالهواجس الإنسانية
تتحرك الدبلوماسية الدولية والإقليمية تجاه الملف اليمني برجل مرتعشة، حيث ينظر المجتمع الدولي إلى ورقة الحصار المالي والمصرفي الشامل كصندوق باندورا الذي قد يفاقم الكارثة الإنسانية الأسوأ عالمياً.
وتتذرع التقارير الأممية والدولية دائماً بأن خنق القطاع المصرفي في صنعاء سيؤدي إلى شلل تام في حركة استيراد السلع الغذائية الأساسية (مثل القمح والوقود) إلى الموانئ الشمالية، مما يهدد بدفع ملايين المواطنين نحو مجاعة حتمية.
غير أن المؤشرات الاقتصادية تفضح هذا المنطق؛ فالميليشيا الحوثية تستخدم هذه الهواجس الإنسانية كغطاء لنهب القطاع المصرفي والاستيلاء على المساعدات الأممية المليارية. الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن الميليشيا شنت حملات ممنهجة لمصادرة أصول البنوك، بل واستهداف موظفي الأمم المتحدة أنفسهم؛ إذ يقبع أكثر من 73 موظفاً أممياً ودولياً في معتقلات الميليشيا بصنعاء.
ورغم هذه الانتهاكات الصارخة، يكتفي المجتمع الدولي ببيانات التنديد، ممارساً ضغوطاً عكسية على الطرف الشرعي لمنعه من استخدام الأدوات السيادية لحماية الاقتصاد اليمني.
مؤشرات الأزمة الاقتصادية والتمويلية في اليمن (تحديثات 2026)
المؤشر الاقتصادي الحالة والنسب الإحصائية نمو الناتج المحلي الإجمالي│
انكماش بنسبة 1.5% في 2025، وتراجع مستمر بـ 0.5% في 2026 تمويل خطة الاستجابة الأممية، عجز حاد، حيث تم تغطية 28% فقط من الاحتياجات الإنسانية
بينما، الإيرادات العامة للحكومة هبطت إلى 5.6% من الناتج المحلي بسبب توقف تصدير النفط.
تجميد الإيرادات النفطية وبدائل الشرعية المحدودة
يواجه الاقتصاد في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية تحديات خانقة عقب الهجمات الإرهابية الحوثية بالطائرات المسيرة التي استهدفت موانئ تصدير النفط الخام في حضرموت وشبوة بأواخر عام 2022. هذا الاستهداف أدى إلى حرمان الحكومة من أكثر من 60% من مواردها السيادية واضطرارها للاعتماد على الودائع والمساعدات الإقليمية المؤقتة لتغطية نفقات المرتبات والخدمات الأساسية.
وفي محاولة لتدارك الانهيار، أقرت الحكومة اليمنية واللجنة العليا للموازنة خطة مالية طموحة لعام 2026 قدرت فيها النفقات بـ4.8 تريليون ريال يمني.
إلا أن تطبيق هذه الموازنة واجه تعقيدات جمة نتيجة الخلافات السياسية البينية داخل معسكر الشرعية، وتحديداً التباينات حول آليات توريد عوائد المحافظات إلى المقر الرئيس للبنك المركزي في عدن.
هذه الانقسامات اللوجستية والسياسية أضعفت الجبهة الاقتصادية للحكومة، وجعلت قدرتها على فرض الشروط الاقتصادية في أي مفاوضات قادمة ضعيفة ومترددة.
كسر القيود أم التماهي مع الانهيار
تثبت الوقائع على الأرض أن امتناع الحكومة الشرعية عن تشديد الخناق المالي على الحوثيين ليس خياراً ذاتياً نابعاً من استراتيجية سياسية، بل هو نتاج تكبيل مركب تتقاسمه حسابات السياسة الإقليمية وتخاذل المجتمع الدولي الذي يخشى الانفجار العسكري الشامل أكثر مما يخشى تمدد الميليشيا وتدميرها لكيان الدولة.
إن استمرار الوضع الراهن وإبقاء سلاح المال معطلاً لا يخدم فرص السلام المستدام، بل يمنح الميليشيا الحوثية أداة مستمرة للتمويل غير المشروط والابتزاز العابر للحدود، في وقت يدفع فيه المواطن اليمني في شمال الوطن وجنوبه كلفة هذا التقاعس من قوته اليومي وعافية عملته الوطنية المنهارة.