فوهة بركان.. مظاهر الاحتقان الصامت تحت القبضة الحوثية

لا تبدو الشوارع في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي هادئة إلا في الظاهر، لكن التدقيق في تفاصيل الحياة اليومية يكشف عن غليان مكتوم يعتمل في النفوس، وينذر بوعي جماعي يتشكل بعيداً عن أعين المشرفين الأمنيّين.

إنها مرحلة  يمكن وصفها، ما قبل الانفجار، حيث يتحول السخط الشعبي والقبلي من حالة الاستسلام إلى آليات مقاومة صامتة ومظاهر احتقان ذكية ترفض الانقلاب دون الصدام العسكري المباشر.

القبيلة تعزل مشرفي المليشيا مجتمعياً

لم تعد القبيلة اليمنية في طوق صنعاء أو عمران أو ذمار والبيضاء  تبتلع الإهانات الحوثية، لكنها اليوم تمارس نوعاً من المقاومة السلبية الذكية. وتتجلى أبرز مظاهر هذا الاحتقان القبلي في الآتي: العزل المجتمعي للمشرفين، حيث تشهد القرى اليمنية حالة شبه إجماع على تحجيم المشرفين الحوثيين من أبناء القبيلة أنفسهم، وتهميشهم اجتماعيّاً في المناسبات والجرامل القبلية باعتبارهم خارجين عن الأعراف والمذهب الزيدي التقليدي.

مع رفض لجان الحشد والتعبئة، حيث تفشل لجان التحشيد الحوثية بانتظام في استقطاب مقاتلين جدد؛ إذ يتهرب شيوخ القبائل من تلبية طلبات التجنيد بذريعة عدم القدرة على إجبار الناس أو انشغال الشباب بالزراعة والبحث عن لقمة العيش، وهو ما يعكس تصدعاً حقيقياً في خزان الحوثي البشري.

بالإضافة الاحتكام للعرف القبلي ضد أحكام المشرفين، حيث باتت القبائل تلجأ لـقضاة العرف، لحل نزاعاتها البينية بدلاً من المحاكم الحوثية أو المشرفين الأمنيّين، تعبيراً عن سحب الشرعية القضائية والسياسية من المليشيا.

ملاذات آمنة للتعبير

في ظل القبضة الأمنية الحديدية وحملات الاختطاف الصارمة التي رصدت آلاف الانتهاكات مثل 3219 انتهاكاً وثقها مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، ابتكر السكان وسائل بديلة لإيصال صوت احتقانهم، كشظايا الواتساب ومجموعات مغلقة... تحولت تطبيقات المراسلة المشفرة إلى برلمانات حقيقية للمواطنين والموظفين المقطوعة رواتبهم، حيث يتم تداول وثائق الفساد الحوثي، وفضح ثراء القيادات، والسخرية الممنهجة من الشعارات والمراكز الصيفية.

ناهيك عن حروب الجدران والرموز، حيث يتكرر ظهور عبارات خاطفة على جدران الأحياء الفرعية في صنعاء وإب مثل ارحل يا حوثي أو نريد رواتبنا، والتي تسارع الأجهزة الأمنية للمليشيا لمسحها فوراً خوفاً من تحولها إلى شرارة حاشدة.

وكذا المقاطعة الشعبية للمنابر الحوثية، وإفراغ المساجد من المصلين فور صعود الخطباء الحوثيين المنبر، وتجنب حضور الفعاليات الطائفية، إلا تحت التهديد بقطع الغاز أو المساعدات الإغاثية الشحيحة.

مظاهر الاختناق الاقتصادي في غياب الرواتب

يعيش المواطنون تحت وطأة وضع معيشي صُنف بالأقسى دولياً؛ حيث كشفت تقارير متطابقة لمؤسسة تمكين المرأة اليمنية (YWEF) عن وصول انعدام الأمن الغذائي إلى نحو 19.5 مليون مواطن. 

ويتجلى الاحتقان المعيشي هنا في سلوكيات يومية حادة: ثورة "الفيسبوك" للنخب والأكاديميين، فرغم خطورة الاختطاف، لم يعد الأكاديميون والمعلمون في جامعة صنعاء والمدارس يترددون في الكتابة علناً وبأسماء صريحة للمطالبة بالرواتب وفضح صندوق دعم المعلم، الذي تذهب أمواله للمجهود الحربي.

ناهيك عن شجار الأسواق ونقاط الجبايات، حيث تتصاعد المشادات اليومية العنيفة بين صغار التجار والباعة المتجولين (البساطين) من جهة، ومحصلي الضرائب والواجبات الحوثية من جهة أخرى، حيث يقف المجتمع عادة متضامناً مع البائع ضد عساكر المليشيا.

بالإضافة إلى الهجرة الجماعية الصامتة من فرار آلاف الكوادر الطبية والتعليمية والشباب بشكل شبه يومي نحو المناطق المحررة (مأرب، عدن، تعز) أو إلى خارج البلاد، وهي هجرة تعكس يأساً مطلقاً من التعايش مع الانقلاب وفراراً من التجنيد القسري.

 تراجع القدرات والتحصن بالخوف

مع تصاعد ضربات الجيش اليمني على امتداد جبهات تعز ومأرب والجوف والحديدة وتراجع معنويات المقاتلين الحوثيين، ينعكس الخوف من هذا الاحتقان في السلوك الأمني للمليشيا نفسها، من حيث تكثيف الحواجز الأمنية المفاجئة ونشر الأمن الوقائي للحوثيين نقاط تفتيش عشوائية داخل أحياء العاصمة المختطفة صنعاء ليلاً، والتدقيق الفائق في الهويات والاتصالات، وهو سلوك ينم عن رعب حقيقي من تنظيم خلايا مقاومة داخلية.

وكذا احتجاز الرهائن القبليين حيث تستمر المليشيا في التحفظ على أطفال وأقارب مشايخ القبائل كضمانة لعدم انقلاب القبيلة عليها في حال اقتراب قوات الجيش الوطني من بوابات صنعاء.

إن هذه المؤشرات مجتمعة تؤكد أن ما يحدث في مناطق سيطرة الحوثي اليوم ليس استقراراً ولا قبولاً بالانقلاب، بل هو حالة احتقان قصوى، تحتفظ برغبتها في التغيير وتنتظر اللحظة المواتية لترجمة هذا السخط الصامت إلى واقع ملموس على الأرض.