المخا.. ملحمة الميدان وفخ الاستراتيجيات المتفرجة

لم تكن المخا يوماً مجرد جغرافيا عابرة على ضفاف البحر الأحمر، بل هي جسر اليمن الرابط بين تاريخ عريق ومستقبل يرفض الانكسار. 

اليوم، وفيما تشهد هذه المدينة العريقة وأبناء الساحل الغربي فصول حرب ضروس تخوضها القوات المشتركة والمقاومة الوطنية، تتكشف ملامح ملحمة وطنية حقيقية تسيل فيها دماء الأحرار دفاعاً عن الجمهورية والهوية الثابتة، في مواجهة صلف الميليشيا الحوثية الإرهابية التي استمرأت استهداف المنشآت الحيوية والموانئ والمناطق السكنية بالصواريخ الباليستية والمسيّرات المفخخة.

إن هذا الاستهداف الممنهج لمدينة المخا ومينائها التاريخي لا يمثل مجرد اعتداء عسكري، بل هو محاولة بائسة لتركيع شريان الحياة الاقتصادي والإنساني للساحل الغربي، وتحدٍ صارخ لكل تطلعات الاستقرار.

 أمام هذا السُعار الحوثي، تقف الجبهات في البرح وحيس والوازعية كصخور صماء تتحطم عليها أوهام الكهنوت؛ حيث يسطر أبطال المقاومة الوطنية مسنودين بالتلاحم القبلي والشعبي لأبناء الساحل بطولات استثنائية، ملقنين الميليشيا دروساً قاسية في ميادين الشرف، ومحبطين محاولات التسلل بكفاءة قتالية ودفاعية ذاتية عالية أسقطت أوهام المسيرات وصواريخ الغدر.

غير أن هذا البأس الأسطوري المقاتل على الأرض، يضعنا أمام تساؤلات قاسية ومشروعة حول طبيعة الإدارة السياسية والعسكرية للمعركة؛ إذ يكتفي مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية بإدارة الأزمة من المقاعد الخلفية، والاعتماد المفرط على ترسانة البيانات الدبلوماسية والشكاوى الأممية التي لم تُطعم جائعاً ولم تؤمّن خائفاً. 

إن استمرار التمسك باستراتيجية الدفاع السلبي، والامتناع عن اتخاذ قرار حاسم بشن ضربات استباقية منسقة وواسعة النطاق لاستئصال شأفة المنظومة الصاروخية ومراكز الطيران المسير الحوثية في مهدها، يمنح الميليشيا فرصة مجانية لإعادة التموضع وتطوير أدوات الموت، ويترك القوات المشتركة في فخ تلقي الضربات بدلاً من توجيهها.

وعلى ذات النحو من الوهن، يتبدى الموقف الإقليمي والدولي الذي بات أسيراً لسياسة الاحتواء الناعم وإدارة الصراع بدلاً من إنهائه. 

إن الاكتفاء ببيانات الإدانة الشاحبة، والتحذيرات اللفظية التي تتبخر مع أول قذيفة حوثية، يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع وعجزاً عن قراءة طبيعة هذه المليشيا السلالية التي لا تؤمن إلا بالموت. 

إن غياب الإرادة الدولية الحقيقية لقطع خطوط الإمداد وتدمير القدرات العسكرية والنوعية للميليشيا، يضع مصداقية المجتمع الدولي على المحك، ويحول مواثيق حماية الملاحة الدولية إلى مجرد حبر على ورق تشجّع المعتدي على التمادي والغطرسة.

إن المخا اليوم، بصمود أبنائها وبأس مقاتليها وحنكة رجالها في الميدان، تثبت للعالم أجمع أنها حارس بوابة البحر الأحمر العصي على الانكسار.

بيد أن هذا الصمود لا ينبغي أن يظل غطاءً لعجز الإرادة السياسية أو مبرراً لتقاعس المجتمع الدولي؛ فالمعركة لن تحسمها أروقة الدبلوماسية المهتزة، بل تصنعها سواعد الأحرار التي تجيد لغة الردع الحاسم، وتدرك أن غبار الخنادق أصدق أنباءً من خطابات الفنادق.