ثبات الريال في صنعاء.. استقرار نقدي أم انكماش اقتصادي؟

لا يكفي استقرار سعر صرف العملة للحكم على قوة الاقتصاد أو نجاح السياسات النقدية، فاستقرار العملة قد يكون نتيجة نمو الإنتاج والصادرات وتدفق النقد الأجنبي، وقد يكون في المقابل نتيجة إجراءات تحد من السيولة والائتمان وحجم المعاملات الاقتصادية.

وفي اليمن، حيث انقسم النظام النقدي والمالي بين مناطق الحكومة المعترف بها دولياً ومناطق سيطرة مليشيات الحوثي، أصبح سعر الريال مؤشراً شديد الحساسية للانقسام الاقتصادي. 

وبينما شهد الريال في مناطق الحكومة تراجعاً حاداً خلال فترات مختلفة، حافظ الريال المتداول في صنعاء ومناطق سيطرة مليشيا الحوثي على سعر صرف أكثر استقراراً، لكن خبراء اقتصاديين يرون أن قراءة هذا الاستقرار باعتباره دليلاً منفرداً على نجاح اقتصادي تتجاهل عوامل أخرى، أبرزها حجم النشاط الاقتصادي والسيولة والائتمان والاستثمار.

ويؤكد البنك الدولي أن الاقتصاد اليمني أصبح فعلياً اقتصاداً منقسمًا، نتيجة اختلاف السياسات النقدية والمالية بين مناطق السيطرة، وأن هذا الانقسام أسهم في تعميق الاختلالات الاقتصادية وأضعف قدرة البلاد على التعافي.

سعر الصرف ليس وحده مقياساً لقوة الاقتصاد

اقتصادياً، لا تعني العملة المستقرة بالضرورة أن الاقتصاد الذي تقف خلفها قوي، فالسعر المستقر يكون أكثر صحة عندما يأتي نتيجة ارتفاع الإنتاج والصادرات والاستثمار وتوافر النقد الأجنبي ووجود نظام مصرفي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي.

أما إذا استقر سعر العملة بالتزامن مع تراجع الإنتاج والاستثمار والائتمان والاستهلاك، فإن الاستقرار قد يعكس انخفاض الطلب على العملات الأجنبية بسبب انكماش النشاط الاقتصادي، وليس تحسناً في أساسيات الاقتصاد.

وهذه نقطة مهمة في الحالة اليمنية؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي لليمن انكمش بنحو 50 في المائة بين 2011 و2022، بينما أشار البنك في أحدث تقييم له إلى أن الناتج انكمش مجدداً في 2025 بنسبة 1.5 في المائة، مع توقع انكماش إضافي بنسبة 0.5 في المائة خلال 2026.

حظر الطبعات الجديدة 

يرتبط جزء أساسي من اختلاف سعر الصرف بين صنعاء وعدن بالانقسام النقدي الذي بدأ يتعمق بعد نقل مقر البنك المركزي إلى عدن وظهور سياسات نقدية مختلفة بين الجانبين.

وفي عام 2019، شددت مليشيات الحوثي في صنعاء القيود على تداول الأوراق النقدية الجديدة التي أصدرها البنك المركزي في عدن، وهو ما أدى إلى انقسام فعلي في سوق العملة اليمنية وخلق فروقاً بين قيمة الأوراق النقدية القديمة والجديدة.

وكان البنك الدولي قد وثق في حينه أن تشديد حظر الأوراق النقدية الجديدة أدى إلى أزمة في المدفوعات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي واتساع الفارق في أسعار الصرف بين المناطق، مشيراً إلى أن جزءاً مهماً من النقد المتداول أصبح غير صالح للاستخدام في تلك المناطق.

كما أشار البنك الدولي لاحقاً إلى أن إعلان صنعاء عدم قبول الأوراق النقدية الجديدة المطبوعة من قبل البنك المركزي في عدن أسهم في فصل السياسة النقدية بين المنطقتين.

وبذلك أصبح استقرار سعر الريال في صنعاء مرتبطاً جزئياً بسوق نقدية مغلقة نسبياً، تختلف في قواعدها النقدية عن السوق الموجودة في مناطق الحكومة.

استقرار العملة مقابل تقليص السيولة

من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يؤدي تقليص كمية العملة المتداولة والحد من الوصول إلى السيولة إلى خفض الطلب على العملات الأجنبية، لكن انخفاض الطلب في هذه الحالة لا يعني بالضرورة تحسن الاقتصاد.

فإذا كان التاجر غير قادر على الحصول على تمويل مصرفي لشراء البضائع، أو كانت المنشأة عاجزة عن الاقتراض لزيادة الإنتاج، أو كان المستهلك يواجه صعوبة في الوصول إلى أمواله، فإن الطلب على الدولار والواردات يمكن أن يتراجع ببساطة لأن حجم النشاط الاقتصادي نفسه ينكمش.

وهنا تظهر المفارقة: قد يبدو سعر الصرف مستقراً، بينما يكون الاقتصاد الحقيقي أقل نشاطاً.

وقد حذر البنك الدولي مراراً من تأثير محدودية الوصول إلى التمويل والبيئة الصعبة للأعمال على النشاط الاقتصادي في اليمن، فيما أشار في تقييماته الحديثة إلى أن محدودية التمويل وضعف الطلب المحلي لا يزالان من أبرز القيود على النشاط الاقتصادي.

القطاع المصرفي.. الحلقة الأضعف

لم يقتصر الانقسام الاقتصادي على العملة وسعر الصرف، بل امتد إلى النظام المصرفي نفسه.

وتواجه البنوك اليمنية منذ سنوات أزمة سيولة واستثمارات مجمدة وصعوبة في الوصول إلى أدوات التمويل والأسواق المالية، بينما أدى الانقسام المؤسسي إلى زيادة القيود على حركة الأموال والتحويلات.

وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن جزءاً كبيراً من أصول البنوك في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي ظل مرتبطاً بأدوات الدين الحكومي التي لم تعد توفر العوائد والسيولة التي كانت تعتمد عليها المؤسسات المصرفية، الأمر الذي أضعف قدرة البنوك على أداء وظائف الوساطة المالية وتمويل القطاع الخاص.

وتزداد المشكلة خطورة عندما يتراجع دور البنوك في تمويل التجارة والاستثمار، لأن الشركات والتجار يضطرون عندها إلى الاعتماد بصورة أكبر على شبكات الصرافة والتمويل غير الرسمي، وهي قنوات أقل قدرة على دعم استثمارات طويلة الأجل.

قانون منع المعاملات الربوية وأثره على البنوك

في مارس/آذار 2023، أصدرت مليشيات الحوثي قانوناً لمنع المعاملات الربوية، تضمن إلغاء الفوائد على عدد من المعاملات والالتزامات المالية.

وأثار القانون مخاوف واسعة في القطاع المصرفي، إذ اعتبر خبراء ومؤسسات مالية أن تطبيقه من دون توفير بدائل واضحة وكاملة للتمويل قد يؤدي إلى مزيد من تفكك النظام المصرفي اليمني.

وكان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة قد وثق مخاوف مصرفيين من أن يؤدي القانون إلى مزيد من تجزئة القطاع المالي، كما أشار إلى أن القانون يحظر الفوائد على الودائع والقروض وبعض أدوات التمويل والاعتمادات المصرفية.

وبالتالي، فإن القضية الاقتصادية لا تتعلق فقط بموقف ديني أو قانوني من الفائدة، وإنما بكيفية الانتقال من نظام مالي إلى آخر من دون تعطيل الائتمان أو تجميد أصول البنوك أو الإضرار بالمودعين والمستثمرين.

الضرائب والجبايات

يرتبط الأداء الاقتصادي أيضاً بالسياسة المالية. فزيادة الإيرادات الحكومية لا تتحقق بالضرورة من خلال رفع الضرائب والرسوم، إذ يمكن للضرائب المرتفعة أو غير المتوقعة أن تدفع بعض المنشآت إلى تقليص نشاطها أو الخروج من السوق.

وفي الاقتصادات الهشة، يصبح توسيع القاعدة الضريبية وزيادة عدد المنشآت والأنشطة المنتجة أكثر استدامة من تحميل عدد محدود من الشركات والتجار أعباء متزايدة.

ويشير البنك الدولي إلى أن اليمن يعاني أصلاً من قاعدة ضريبية شديدة الانخفاض، وأن ضعف الإيرادات العامة والقدرة المحدودة على تمويل الخدمات يمثلان جزءاً أساسياً من الأزمة الاقتصادية.

هل يمكن اختزال الأزمة في "الحصار"؟

تتداخل في الأزمة اليمنية عوامل الحرب والحصار والانقسام المؤسسي وتراجع صادرات النفط وارتفاع أسعار السلع العالمية، ولذلك لا يمكن تحميل طرف واحد وحده كل أسباب الانهيار الاقتصادي.

لكن في المقابل، فإن استمرار الصراع الاقتصادي والمؤسسي بعد فترات الهدوء العسكري ساهم في تعقيد فرص التعافي.

فخلال الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في 2022، سجل البنك الدولي تحسناً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي، بما يؤكد أن انخفاض الأعمال القتالية وتحسن حركة التجارة يمكن أن يوفرا "عائداً للسلام" سريعاً للاقتصاد اليمني. كما أشار البنك إلى أن تحقيق سلام دائم يمكن أن يرفع مسار نمو الناتج بنحو ست نقاط مئوية ويؤدي إلى زيادة كبيرة في الاستثمار والتوظيف والإنتاجية.

لكن البنك الدولي شدد في الوقت نفسه على أن الاقتصاد يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية وبيئة أعمال أفضل واستقرار مالي ونقدي حتى تتحول فرص السلام إلى نمو مستدام.

الموانئ والتجارة لا تعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة

ومن المهم التفريق بين حجم الواردات وبين قوة الاقتصاد أو مستوى رفاه السكان.

فارتفاع حجم السلع التي تدخل عبر موانئ معينة قد يعكس ببساطة الكثافة السكانية أو تغير مسارات التجارة نتيجة الانقسام الجغرافي، ولا يعني بالضرورة ارتفاع دخل الفرد أو زيادة الإنتاج المحلي.

وقد وثق البنك الدولي بالفعل تحولات كبيرة في مسارات الواردات اليمنية بين ميناءي عدن والحديدة خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع حصة ميناء عدن وارتفاع أهمية الموانئ الواقعة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.

لذلك فإن الاستناد إلى حجم الواردات وحده لنفي الأزمة الاقتصادية أو إثبات ازدهار منطقة ما سيكون قراءة ناقصة؛ فالمؤشر الأهم هو قدرة الاقتصاد على تحويل التجارة إلى إنتاج وفرص عمل ودخل واستثمار.

اقتصاد بلا تمويل.. نمو يصعب استدامته

المشكلة الأساسية في أي اقتصاد لا تكمن فقط في سعر الدولار، بل في قدرة المال على التحول إلى نشاط اقتصادي.

فالمصنع يحتاج إلى تمويل لشراء المواد الخام، والتاجر يحتاج إلى تمويل للواردات، والمزارع يحتاج إلى رأس مال للموسم الزراعي، والأسرة تحتاج إلى خدمات مصرفية آمنة، فيما تحتاج الحكومة إلى نظام مالي قادر على إدارة الدين والإنفاق العام.

وعندما تتراجع هذه الوظائف، ينتقل جزء من النشاط إلى الاقتصاد النقدي غير الرسمي، وتصبح عملية الاستثمار أكثر صعوبة، بينما ترتفع مخاطر التعاملات التجارية.

ولهذا فإن نجاح السياسة النقدية لا يقاس فقط بسعر الصرف، وإنما أيضاً بمؤشرات التضخم، ونمو الناتج، والاستثمار، والائتمان، والإنتاجية، والصادرات، وفرص العمل، وقوة القطاع المصرفي.

الخلاصة: الريال المستقر ليس بالضرورة اقتصاداً مستقراً

تُظهر التجربة اليمنية أن مقارنة سعر الريال في صنعاء بسعره في عدن، ثم اعتبار الفارق دليلاً كافياً على نجاح أو فشل الإدارة الاقتصادية، تتجاهل طبيعة الانقسام النقدي والمؤسسي الذي تعيشه البلاد.

فالاستقرار النقدي يمكن أن يكون نتيجة اقتصاد منتج وقوي، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة قيود تحد من السيولة والائتمان وحركة الأموال، فتقلل الطلب على العملات الأجنبية بالتوازي مع تراجع النشاط الاقتصادي.

وفي الحالة اليمنية، لا تزال المؤشرات الأوسع تشير إلى اقتصاد يعاني من انكماش طويل الأمد، وضعف الاستثمار، ومحدودية التمويل، وانقسام المؤسسات، وتراجع الإيرادات، وتدهور الخدمات.

ومن ثم، فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي إدارة اقتصادية لا ينبغي أن يكون فقط: كم يساوي الدولار؟ بل أيضاً: كم ينتج الاقتصاد؟ وكم يستثمر؟ وكم وظيفة يوفر؟ وهل يستطيع المواطن الوصول إلى أمواله والائتمان والخدمات المالية؟

فاستقرار العملة يصبح مؤشراً إيجابياً عندما يكون انعكاساً لاقتصاد ينمو وينتج ويصدر ويستثمر، لا عندما يكون نتيجة انكماش الطلب وتقييد السيولة وتراجع حجم النشاط الاقتصادي.