أبين المنسية... مزارعو الحواشب يصارعون بوار الأرض بين مطرقة الجفاف وسندان الكلفة الباهظة

تقف السلة الغذائية الأهم في الجنوب اليمني على حافة هاوية غير مسبوقة، حيث يواجه المزارعون في دلتا أبين، وتحديداً في منطقة الحواشب والمناطق المحيطة بها، فصولاً ممتدة من المعاناة اليومية الشاقة التي تهدد بتحويل آلاف الأفدنة الخصبة إلى صحراء قاحلة. 

هذه الأرض التي كانت لعقود طويلة مصدراً وفيراً للخضروات، والفواكه، والقطن طويل التيلة، والسمسم، أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً على كاهل أصحابها، الذين باتوا يجدون أنفسهم في مواجهة منفردة ومباشرة مع أزمات مركبة، تبدأ من تدمير البنية التحتية لمنظومة الري التقليدية، ولا تنتهي عند القفزات الجنونية في أسعار الوقود والمدخلات الزراعية، وسط غياب شبه تام للدعم الحكومي والمؤسسي المستدام الذي يمكنه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا القطاع الحيوي.

وتتداخل تفاصيل هذه الأزمة لترسم لوحة قاتمة لواقع القطاع الزراعي في المنطقة، حيث يعبر الفلاحون عن خيبات أمل متراكمة جراء الوعود الرسمية التي تتبخر مع كل موسم زراعي جديد. ولم تعد مهنة الزراعة في الحواشب مجرد نشاط اقتصادي يؤمن القوت اليومي للمئات من الأسر، بل تحولت إلى مخاطرة مالية غير مأمونة العواقب، يدخلها المُزارع مثقلاً بالديون ويخرج منها في كثير من الأحيان بخسائر فادحة تجبره على ترك أرضه بوراً والبحث عن مصادر رزق بديلة في المدن، مما ينذر بكارثة اقتصادية واجتماعية ممتدة الأثر على الأمن الغذائي للبلاد ككل.

شريان الحياة الممزق وأزمة الري التي لا تنتهي

تتجلى أولى عقبات القطاع الزراعي في أبين والحواشب في التدهور المتسارع لشبكة قنوات الري والمنشآت المائية التقليدية. 

تعتمد المنطقة تاريخياً على الري السيلي الفيضي الذي يغذي الدلتا عبر الأودية الرئيسية، إلا أن غياب الصيانة الدورية وهشاشة الدفاعات الترابية المعروفة محلياً باسم "العُقُم" تحولا إلى نقمة عوضاً عن النعمة. فعندما تتدفق السيول الموسمية بقوة، تجد القنوات مسدودة بالأشجار والمخلفات الطينية، مما يؤدي إلى انحراف المياه عن مساراتها الطبيعية المخصصة لري الأراضي المتعطشة، لتذهب تلك الكميات الهائلة هباءً وتصب في البحر دون الاستفادة منها.

والأنكى من ذلك، أن اندفاع السيول غير المنضبط بات يتسبب في جرف التربة الزراعية الخصبة وتدمير الحواجز المائية التي يشيدها المزارعون بجهودهم الذاتية البسيطة.

 ورغم إطلاق بعض الحملات والمشاريع مؤخراً لصيانة مجاري السيول وتأهيل "العُقُم" في سيلة المهارية المغذية لبلاد الحواشب ودلتا أبين، إلا أن هذه التدخلات تظل جزئية ومؤقتة ولا تلبي حجم الكارثة.

 إن غياب الحواجز الخرسانية الحديثة، والجسور المنظمة لتوزيع المياه بعدالة بين المزارعين في مناطق الأعلى والأسفل، يثير النزاعات المستمرة ويحرم آلاف المزارع في أطراف الدلتا من قطرة ماء واحدة، مما يضعف كفاءة الإنتاج ويترك الفلاح رهن المصادفة والظروف الجوية المتقلبة.

الديزل والمدخلات الزراعية... محرقة الأموال التي تلتهم الآمال

أمام تراجع مياه السيول وعدم انتظامها، اضطر مزارعو الحواشب إلى الاعتماد على المياه الجوفية واستخراجها عبر المضخات الميكانيكية، وهنا بدأت فصول أزمة اقتصادية أشد مرارة. يرتبط نجاح الموسم الزراعي ارتباطاً طردياً بمدى توفر مادة الديزل وأسعارها في السوق المحلية، وبسبب التدهور المستمر للعملة المحلية والارتفاع العالمي في أسعار الطاقة، أصبحت كلفة تشغيل مضخات المياه تفوق القدرة المالية لأغلب المزارعين.

 يقضي صاحب الأرض ساعات طويلة في طوابير محطات الوقود، أو يضطر للشراء من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، ليجد نفسه في نهاية المطاف ينفق جلّ رأس ماله على الوقود فقط، دون احتساب التكاليف الأخرى.

هذه المحرقة المالية لا تتوقف عند حدود الديزل؛ فالأسواق تشهد قفزات جنونية وغير مبررة في أسعار الأسمدة الكيماوية، والمبيدات، والبذور بمختلف أنواعها.

 لقد بات الحصول على بذور جيدة لمحاصيل رئيسية مثل البصل، والحبحب، والسمسم، يتطلب ميزانيات ضخمة لا تتوفر للمزارعين الصغار. يضاف إلى ذلك الارتفاع الحاد في أجور الأيدي العاملة وتكاليف حراثة الأرض بالآليات الحديثة، مما يجعل الكلفة الإجمالية للإنتاج الزراعي أعلى بكثير من أسعار البيع المتوقعة في الأسواق، مما يدفع المزارعين إلى العزوف عن زراعة مساحات واسعة من أراضيهم تفادياً للوقوع في فخ الديون المتراكمة التي باتت تلاحق معظم أرباب الأسر في المنطقة.

 

تقلبات الطقس والآفات... ثنائية الموت البطيء للمحاصيل

ولم تكن الطبيعة بأرحم على مزارعي أبين والحواشب من الظروف الاقتصادية؛ إذ ألقت التغيرات المناخية بظلالها الثقيلة على مواعيد الفصول الزراعية في اليمن. 

تشهد المنطقة موجات جفاف متعاقبة وقاسية تمتد لأشهر طويلة، مما يؤدي إلى جفاف الآبار السطحية وانخفاض منسوب المياه الجوفية إلى مستويات حرجة. 

هذا الانحباس الطويل للأمطار تسبب في تراجع ملحوظ في المساحات الخضراء، ولم يقتصر الضرر على النباتات فحسب، بل امتد ليتسبب في هلاك أعداد كبيرة من الماشية وتراجع نشاط مناحل العسل التي تعد رفداً اقتصادياً مهماً لسكّان وادي الحواشب.

وفي المقابل، عندما تأتي الأمطار، فإنها تتدفق بصورة فيضانات عارمة ومفاجئة لا تستطيع البنية التحتية المتهالكة استيعابها، مما يحول الغيث إلى كارثة تجرف المزروعات وتغرق الحقول. هذه التقلبات الحادة في درجات الحرارة ونسب الرطوبة وفرت بيئة مثالية لانتشار الآفات والأنواع الجديدة من الحشرات الزراعية والفطريات التي تفتك بالمحاصيل الموسمية قبل نضوجها. ومع غياب حملات الرش الحكومية الرسمية، وانعدام الإرشاد الزراعي الذي يوجه الفلاح لكيفية التعامل مع هذه الأمراض، يقف المزارع عاجزاً ومكتوف الأيدي وهو يشاهد ثمرة جهده وعرقه لشهور تتآكل وتتلف أمام عينيه دون قدرة على شراء المبيدات المناسبة والفعالة لإنقاذها.

 

غياب الإرشاد ووعورة التسويق... حلقة مفرغة تخنق المزارع

تكتمل حلقة المعاناة بغياب الدور الفاعل لمكاتب الزراعة والري والجهات المعنية بتقديم الإرشاد الزراعي والبيطري للمواطنين. 

يفتقر الفلاح في الحواشب إلى المعرفة التقنية الحديثة التي تمكنه من استخدام أساليب الري الحديثة مثل الري بالتنقيط، والتي قد توفر عليه الكثير من كلفة الديزل المهدور في الري الغمري التقليدي.

 كما أن غياب الجمعيات التعاونية الزراعية القوية والفاعلة جعل المزارعين فريسة سهلة لسماسرة الأسواق وتجار الجملة الذين يتحكمون بأسعار المنتجات ويشترونها ببخس الأثمان مستغلين حاجة المُزارع للمال السريع لتغطية ديونه، ليتم بيعها بعد ذلك للمستهلك بأسعار مرتفعة جداً في المدن الرئيسية.

إن وعورة الطرقات الرابطة بين حقول الحواشب ومراكز التسويق في المدن تزيد من الطين بلة؛ حيث تفتقر المنطقة إلى شبكة طرق معبدة، مما يتسبب في تلف كميات كبيرة من الخضروات والفواكه الحساسة أثناء عمليات النقل الارتجاجية الطويلة والشاقة.

 هذا الواقع اللوجستي السيئ يجبر المزارع في كثير من الأحيان على بيع محصوله في محيطه الضيق بأسعار لا تغطي تكلفة البذور، أو تركه يتعفن في الحقول في مشهد مأساوي يعكس عمق الوجع والخذلان الذي يعيشه المُزارعون في هذه البلاد، والذين باتوا يطالبون بوقفة جادة وخطة إنقاذ وطنية عاجلة تعيد للاقتصاد الزراعي في أبين هيبته ومكانته.