17 يوليو.. اليوم الذي غيّر مسار اليمن وأعاد رسم معادلة الدولة الحديثة
يمثل السابع عشر من يوليو/تموز 1978 إحدى أكثر المحطات السياسية تأثيراً في التاريخ اليمني الحديث، إذ شهد وصول الرئيس علي عبد الله صالح إلى سدة الحكم في مرحلة اتسمت باضطرابات سياسية وأمنية حادة، أعقبت سلسلة من الاغتيالات والتغييرات السريعة في قيادة الدولة.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل اليمن مرحلة طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، شهدت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية لا تزال محل نقاش وتباين بين القوى السياسية والباحثين في تقييم إرثها ونتائجها.
وخلال سنوات حكم صالح، توسعت مؤسسات الدولة بصورة ملحوظة، وشهدت البلاد تنفيذ مشاريع واسعة في مجالات الطرق والكهرباء والتعليم والصحة والاتصالات، إلى جانب توسع الجهاز الإداري للدولة.
وأكد سياسيون ومراقبون لوكالة خبر، أن تلك المرحلة أرست أسس الدولة الحديثة، وأسهمت في تعزيز الاستقرار النسبي وإطلاق برامج تنموية شملت معظم المحافظات، رغم ما واجهته البلاد من تحديات اقتصادية وأمنية متكررة.
ويعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990 أبرز التحولات السياسية في تلك الحقبة، إذ أعقبها إقرار دستور جديد سمح بالتعددية السياسية والحزبية، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية، إلى جانب اتساع هامش حرية الصحافة والرأي مقارنة بمراحل سابقة في تاريخ البلاد.
يرى سياسيون أن تلك الخطوات أرست تجربة ديمقراطية فريدة في الجزيرة العربية، رغم ما واجهت من عثرات في بعض مراحل تأسيسها، بفعل قوى معارضة للنظام استخدمت لتنفيذ أجندة خارجية.
صراع على السلطة
ويقول سياسيون وباحثون، إن أحداث عام 2011 شكلت نقطة تحول حاسمة في مسار الدولة اليمنية، بعدما أدت الاحتجاجات الشعبية والأزمة السياسية إلى انتقال السلطة وفق المبادرة الخليجية، لتنتهي بذلك مرحلة استمرت أكثر من ثلاثة عقود.
ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في مرحلة اتسمت بضعف مؤسسات الدولة وتزايد الانقسامات السياسية والأمنية، في ظل صراع إقليمي ودولي انعكس بصورة مباشرة على الداخل اليمني.
ويرى محللون وباحثون أن ما جرى عقب 2011 لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل فتح المجال أمام صراعات على السلطة وتدخلات خارجية، ساهمت –بحسب رؤيتهم– في إضعاف مؤسسات الدولة وإرباك عملية الانتقال، وهو ما مهد لاحقاً لانقلاب مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة في سبتمبر/أيلول 2014، ودخول البلاد في حرب لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
في المقابل، ترفض أطراف سياسية أخرى هذا التوصيف، وتربط تطورات تلك المرحلة بعوامل داخلية معقدة وتراكمات سابقة، هروباً من الفشل الذي تلاحقها آثاره.
الحرب والانقسام
ومع استمرار الحرب والانقسام، تعرض الاقتصاد اليمني لانهيار واسع، وتراجعت الخدمات الأساسية، وتوقفت مشاريع التنمية، بينما اتسعت رقعة الفقر والبطالة، وتحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
ويرى مراقبون دوليون، أن غياب مؤسسات الدولة الفاعلة، واستمرار الصراع بين القوى السياسية والعسكرية، حال دون بناء مشروع وطني جامع قادر على استعادة الاستقرار.
في كل عام، يحيي ملايين اليمنيين ذكرى 17 يوليو، مؤكدين أنها تمثل حقبة مهمة في بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، إضافةً إلى توسيع المشاركة السياسية. وتظل تلك المرحلة واحدة من أكثر الملفات حضوراً في النقاشات السياسية اليمنية.
وبعد سنوات من الحرب والانقسام، يتفق كثير من المراقبين على أن اليمن يواجه اليوم تحدياً يتجاوز الصراع على السلطة والإقصاء للآخر، ويتمثل في الحاجة إلى مشروع وطني يعيد بناء مؤسسات الدولة ويعزز سيادة القانون ويستوعب مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
وفي ظل استمرار الأزمات، يظل السابع عشر من يوليو تاريخاً يستحضره اليمنيون بوصفه محطة مفصلية في مسار الدولة الحديثة، بينما يبقى تقييم تلك التجربة خاضعاً لاختلاف القراءات السياسية والتاريخية، في بلد لا يزال يبحث عن طريقه نحو الاستقرار.