17 يوليو.. يوم انتصرت الدولة على الفوضى

ليس من الإنصاف أن تُقرأ الأمم بعين اللحظة، أو أن يُختزل تاريخها في خلافات السياسة وتقلبات المواقف. فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، وإنما تكتبه الوقائع، وتحفظه ذاكرة الشعوب. ومن هذا المنطلق، يبقى السابع عشر من يوليو 1978 محطة فاصلة في التاريخ اليمني الحديث؛ يومٌ خرجت فيه الجمهورية من أخطر منعطف عرفته منذ قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر.

كان اليمن آنذاك يقف على حافة المجهول. الاغتيالات السياسية تعصف بقيادة الدولة، والمؤسسات تكاد تنهار، والقبيلة والسلاح والانقسامات تهدد كيان الجمهورية، فيما كان المواطن اليمني يبحث عن الأمان قبل أن يبحث عن التنمية، وعن بقاء الدولة قبل الحديث عن ازدهارها.

وفي تلك اللحظة التاريخية، جاء السابع عشر من يوليو ليمنح اليمن فرصة جديدة لاستعادة توازنه، عندما تولى الرئيس علي عبدالله صالح قيادة البلاد في ظروف بالغة التعقيد. لم تكن المهمة سهلة، ولم تكن الدولة مكتملة الأركان، لكن المرحلة اللاحقة نجحت في تثبيت أركان النظام الجمهوري، وترسيخ قدر من الاستقرار السياسي والأمني مكّن اليمن من الانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة البناء.

لقد كانت هيبة الدولة عنوانًا لتلك المرحلة. انتشرت مؤسساتها في مختلف المحافظات، واتسعت شبكة الطرق التي ربطت المدن والقرى، وتوسعت المدارس والجامعات والمستشفيات، ووصلت الكهرباء والاتصالات إلى مناطق كانت معزولة لعقود. ولم تكن تلك الإنجازات مجرد أرقام في التقارير، بل كانت تحولًا ملموسًا في حياة ملايين اليمنيين.

ويبقى الإنجاز الوطني الأكبر هو تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، وهو الحلم الذي ظل يراود اليمنيين لعقود، فتحول إلى واقع سياسي وجغرافي أعاد لليمن مكانته ووحدته.

واليوم، وبعد سنوات الحرب والانقسام، تبدو المقارنة بين الأمس واليوم أكثر حضورًا. فمن كان يختلف مع سياسات تلك المرحلة، يدرك أن وجود الدولة – مهما كانت ملاحظات الناس عليها – خير من غيابها، وأن الأمن، مهما بدا أمرًا اعتياديًا، هو أعظم النعم حين يُفقد.

لقد دفع اليمن ثمن انهيار مؤسساته باهظًا. تراجع الاقتصاد، وتوقفت الرواتب في مناطق واسعة، وانهارت الخدمات الأساسية، وانتشرت الأزمات الإنسانية، وأصبح ملايين اليمنيين يعيشون ظروفًا قاسية لم يعرفوها في تاريخهم الحديث. وفي خضم هذا الواقع، عاد كثيرون يستحضرون سنوات الاستقرار، ليس لأنها كانت مثالية، بل لأنها كانت تمثل وجود دولة قادرة على أداء وظائفها الأساسية.

إن استذكار السابع عشر من يوليو لا ينبغي أن يكون مناسبة لإحياء الانقسام السياسي، بل فرصة لاستخلاص الدروس. وأهم هذه الدروس أن بناء الدولة أصعب بكثير من هدمها، وأن الأمن والاستقرار ليسا هبة دائمة، بل ثمرة قيادة مسؤولة، ومؤسسات فاعلة، وإرادة وطنية تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.

إن الأجيال الجديدة التي ولدت في زمن الحرب تستحق أن تعرف أن اليمن عرف يومًا دولةً كانت، رغم ما واجهه من تحديات وأوجه قصور، قادرة على حفظ الأمن، وإدارة المؤسسات، وإنجاز مشاريع التنمية، والحفاظ على وحدة البلاد. كما تستحق أن تؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بثقافة الثأر والانقسام، وإنما بإحياء فكرة الدولة الجامعة التي يتساوى فيها الجميع تحت مظلة القانون.

سيظل السابع عشر من يوليو حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره يومًا غيّر مسار اليمن في لحظة كانت الدولة فيها مهددة بالضياع. وقد تختلف القراءات السياسية لتلك المرحلة، لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن اليمن عرف خلالها سنوات من الأمن والاستقرار وبناء المؤسسات، وهي قيم يتطلع إليها اليمنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى.

رحم الله من رحل من رجال الدولة، وحفظ اليمن وأهله، وجعل مستقبله أكثر أمنًا وعدلًا واستقرارًا، لتعود الجمهورية دولةً قويةً يسودها القانون، ويعيش أبناؤها في سلام ووئام.