ثمن التمكين.. كيف عطلت هيمنة الأخوان معركة الحسم العسكري في اليمن؟

يرتبط مسار الحسم العسكري وإسقاط الانقلاب الحوثي في اليمن بطبيعة التركيبة السياسية والعسكرية التي أدارت معسكر الشرعية منذ عام 2015. 

وتكشف القراءة الموضوعية لحقائق الميدان أن هيمنة تنظيم الإخوان المسلمين (المتمثل بحزب التجمع اليمني للإصلاح) على مفاصل القرار السياسي والعسكري شكّلت معضلة حقيقية أسهمت مباشرة في تجميد الجبهات وتأخير استعادة العاصمة صنعاء.

 

 أدلجة المؤسسة العسكرية وإقصاء الكفاءات

توضح الحقائق الميدانية أن عملية إعادة بناء الجيش الوطني في المحافظات الشمالية لم تخضع لأسس ومعايير عسكرية مهنية، بل طغت عليها استراتيجية "التمكين الحزبي". 

فقد استغل التنظيم نفوذه المبكر في وزارة الدفاع ومؤسسة الرئاسة لفتح باب التجنيد العشوائي على أساس الولاء التنظيمي، ومنح رتباً عسكرية رفيعة لشخصيات مدنية تفتقر للخبرة والمؤهلات الأكاديمية العسكرية.

هذا النهج أدى إلى بناء عقيدة عسكرية مجزأة تدين بالولاء للحزب والمرشد بدلاً من الوطن والدولة.

ونتيجة لإقصاء القادة العسكريين المحترفين من خريجي الكليات العسكرية وتهميش القبائل غير المنصاعة للحزب، افتقد الجيش الوطني مرونته وقدرته على التخطيط الهجومي المتطور، مما جعل جبهات طوق صنعاء عاجزة عن تحقيق أي اختراق حقيقي طوال سنوات الحرب.

 

 استراتيجية الاستنزاف المالي 

تعد الاختلالات المالية والإدارية داخل المعسكر الذي أداره الإخوان إحدى أكبر العقبات التي شلت حركة الجبهات. فقد كشفت التقارير واللجان الرقابية عن تضخم هائل في كشوفات منتسبي الجيش الوطني عبر ظاهرة "الأسماء الوهمية"، حيث كانت تُقيد آلاف الأسماء غير الموجودة على الأرض للاستحواذ على رواتبها ومخصصاتها التسليحية والتموينية لصالح تمويل أنشطة الحزب وشراء الولاءات.

هذا الفساد البنيوي أحدث فجوة شاسعة بين الأرقام الضخمة المرفوعة على الورق وبين القوة الفعلية المرابطة في المتارس. 

وفي الوقت الذي كانت تستنزف فيه ميزانيات هائلة من خزينة الدولة ودعم الحلفاء، كانت الجبهات المتقدمة في نهم والجوف ومأرب تعاني من نقص حاد في الأفراد الحقيقيين والعتاد الفعال، مما تسبب لاحقاً في انهيارات ميدانية متسارعة وسقوط مناطق استراتيجية بيد الحوثيين.

تحويل الثقل العسكري وصناعة الصراعات البينية

تثبت الوقائع الميدانية أن بوصلة الحشد العسكري للتنظيم انحرفت بشكل واضح عن هدفها الرئيسي المتمثل في تحرير صنعاء. فبينما كانت جبهات الطوق والشمال تعاني الركود وتتعرض لضغوط حوثية، سخر الإخوان وحدات عسكرية ضخمة ومقدرات تسليحية هائلة لفتح معارك جانبية وصراعات بينية في المناطق المحررة جنوباً وشرقاً، وتحديداً في شبوة وأبين وتعز ووادي حضرموت.

وكان الهدف الحقيقي من هذه التحركات هو بسط النفوذ الحزبي على منابع النفط والغاز وتأمين منافذ جغرافية خاصة بالتنظيم، بدلاً من توجيه تلك القوات نحو جبهات الحسم.

هذا السلوك أدى إلى تمزيق وحدة المعسكر المناهض للانقلاب، وتبديد الطاقات البشرية والعسكرية في حروب داخلية، مما أتاح للمليشيات الحوثية فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس وتحصين دفاعاتها حول العاصمة دون أي ضغط ميداني حقيقي.

 

 أزمة الثقة الإقليمية وفرملة الدعم العسكري

تسبب الارتباط الأيديولوجي والسياسي لإخوان اليمن بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين في خلق فجوة ثقة عميقة ومتجذرة مع الأطراف الفاعلة في تحالف دعم الشرعية. 

فقد أدركت القوى الإقليمية أن الدعم العسكري واللوجستي السخي يتم توظيفه لبناء ميليشيات حزبية موازية تخدم أجندة عابرة للحدود، وتُخزن السلاح لمرحلة ما بعد الحرب بدلاً من استخدامه لإنهاء الانقلاب الحوثي.

هذه الريبة المشروعة دفعت الحلفاء في مراحل مفصلية إلى تقنين الدعم بالسلاح الثقيل والنوعي، خشية وقوع هذه الأسلحة المتطورة في يد فصيل مؤدلج قد يستخدمها لتهديد أمن المنطقة أو لتصفية حسابات سياسية داخلية. ومما لا شك فيه أن غياب الانسجام الكامل وفقدان الثقة بين القيادة العسكرية الإخوانية ودول التحالف شكل عقبة كأداء أخرت حسم معركة صنعاء لسنوات.

 

تشكيل مجلس القيادة الرئاسي وتحديات تطهير المفاصل

جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي ليمثل نقطة تحول مفصلية واعترافاً جماعياً بأن استمرار الاحتكار الإخواني لملفي السياسة والجيش هو السبب الأساسي وراء الفشل المتراكم.

وقام المجلس باتخاذ خطوات عملية لتقليص هذا النفوذ عبر تشكيل اللجان العسكرية والأمنية المشتركة الهادفة إلى دمج كافة الفصائل (كالعمالقة، والقوات المشتركة، وقوات المجلس الانتقالي) ضمن غرفة عمليات موحدة.

وعلى الرغم من هذه التغييرات الهيكلية، فإن الوقائع الميدانية تظهر أن الإرث الثقيل من التمكين الحزبي وبناء الولاءات الشخصية داخل مفاصل الدولة والجيش على مدى سنوات الحرب، ما زال يشكل عائقاً ملموساً يفرمل جهود الحسم. 

إن استعادة العاصمة صنعاء وإسقاط الانقلاب الحوثي بشكل نهائي يظلان رهناً بمدى قدرة مجلس القيادة الرئاسي على استكمال تطهير المؤسسة العسكرية من الهيمنة الحزبية، وبناء جيش وطني احترافي بعقيدة يمنية خالصة.