اليمن.. أنين الأرض المنسية

ما أصعب أن يجد المواطن نفسه غريباً في تفاصيل يومه، غارقاً في بحر من الأزمات التي لا تميز بين شيخ وطفل، في وطن تحول من مهد للحضارة والتاريخ إلى ساحة مفتوحة لأكبر مأساة إنسانية يشهدها العصر الحديث. 

يتجرع اليمنيون اليوم مرارة مزدوجة، ويدفعون من دماء أبنائهم وقوت يومهم وأحلام أطفالهم ثمناً باهظاً لمعادلة سياسية وعسكرية معقدة، وضعتهم بين مطرقة انقلاب داخلي غاشم صادر الدولة ومؤسساتها ونكل بالعباد، وسندان سلطة شرعية تائهة في منافي الشتات وعواصم الخارج، بدت عاجزة عن ملامسة هموم الشارع المتعب أو كبح جماح التدهور الاقتصادي والمعيشي المريع.

 هذا التمزق لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل كان طعنة في خاصرة الهوية الوطنية، حيث تمزق النسيج الاجتماعي بفعل خطابات الكراهية والفرز الطائفي والمناطقي، بينما يقف المواطن البسيط وحيداً في مواجهة غول الغلاء، وانهيار العملة المحلية التي باتت تفقد قيمتها كل ساعة، لتتحول اللقمة الشريفة إلى حلم بعيد المنال يتطلب معجزات يومية لتأمينه.

وفي عمق هذه المأساة، يتجلى التدهور المخيف في شتى مناحي الحياة اليومية، حيث تحولت المدن اليمنية العريقة إلى مربعات معزولة تحاصرها الأزمات وتفتقر لأدنى مقومات العيش الآدمي من مياه نظيفة وكهرباء وطبابة، في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الصحي واستشراء الأوبئة التي باتت تحصد الأرواح بصمت وسط عجز المستشفيات الحكومية وشلل الخدمات العامة.

 والأنكى من ذلك كله، هو ذاك الانقسام المؤسسي والنقدي الذي عمق الجراح، وحرم مئات الآلاف من الموظفين من رواتبهم ومصادر رزقهم لسنوات طوال، مما دفع بالطبقة الوسطى، صمام أمان المجتمع، إلى قاع الفقر والفاقة، دون بصيص أمل يلوح في الأفق القريب ينهي هذه الحلقة المفرغة من العذاب اليومي.

 إن هذا المشهد القاتم يفرض على كل ذي ضمير حي، وعلى النخب الوطنية المخلصة كافة، مراجعة شجاعة وجريئة، تضع مصلحة الإنسان اليمني فوق كل اعتبار، وتدرك أن استعادة الدولة وكرامة المواطن لن تتحقق بالشعارات الرنانة من وراء البحار، بل بوقفة وطنية صادقة تلتحم بآلام هذا الشعب الصابر والمكافح، وتعيد لليمن السعيد شيئاً من بريقه وهيبته المستلبة.