دموع الجزائر في مآقي اليمن.. حين يبكي ولد علي تُولد الأوطان من جديد

في غمرة الذهول الذي يصنعه الفرح بعد طول غياب، تهاوتْ كل نظريات التكتيك الرياضي، وتبخّرتْ خطط المستطيل الأخضر، لتُختزل جغرافيا العروبة والتاريخ في مشهدٍ مهيب سيظل محفوراً في ذاكرة الوجدان اليمني والجزائري معاً. 

لم تكن صافرة النهاية في استاد حمد الكبير بالدوحة مجرد إعلان لتأهل المنتخب اليمني إلى نهائيات كأس آسيا 2027، بل كانت إيذاناً بانفجار بركان من المشاعر الإنسانية النبيلة، تفجّر دموعاً سخية من عيني المدرب الجزائري القدير نور الدين ولد علي.

جلس ولد علي على دكة البدلاء، لم يحتفل برقصة، ولم يرفع شعاراً استعراضياً، بل انحنى كمن يحمل هموم شعب بأسره، وأجهش بالبكاء. 

كانت تلك الدموع الغالية بوزنها وقيمتها، تمسح عن جبين اليمنيين غبار سنوات من الخذلان والوجع.

 لم تكن دموعاً عادية، بل كانت سيلاً جارفاً حَفّ كل قلوب اليمنيين من المهرة إلى صعدة، وأثبتت أن كرة القدم قد تكون أحياناً أصدق تعبيراً من مئات الخطابات السياسية.

 

لقد واجه هذا الرجل، الجزائري النبيل منذ توليه دفة القيادة، أمواجاً عاتية من الضغوط والانتقادات، ووصل الأمر ببعض الأصوات إلى السخرية والتقليل من حظوظ كتيبة السعيدة.

 لكن ابن الجزائر البار اختار الصمت الاستراتيجي، وعمل في صمت المحترفين، حتى جاءت لحظة الحقيقة.

إن دموع ولد علي بعد الفوز التاريخي على لبنان بهدفي ناصر محمدوه، لم تكن بكاءً على نصرٍ كروي عابر، بل كانت دموع رد الاعتبار لرجل آمن ببلدٍ كاد البعض أن يفقد الأمل في ريادته الرياضية. 

حين بكى هذا المخضرم، كان يبكي نيابةً عن كل طفلٍ يمني يحلم بالفرح، وعن كل مشجعٍ في شوارع صنعاء، وعدن، وإب وتعز، والحديدة، وحضرموت، خرج يبحث عن ليلةٍ ينام فيها فخوراً بهويته.

هذا المشهد الإنساني الراقي أعاد صياغة العلاقات الروحية بين الشعبين اليمني والجزائري.

 فالجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، التي طالما ألهمت الشعوب بقيم الصمود والكرامة، تتجلى اليوم في أسمى صورها عبر هذا المدرب العظيم الذي لم يتعامل مع العقد اليمني كوظيفة ربحية أو وظيفة جافة، بل تعامل معه كقضية شرف ووطن.

إن حب وامتنان كل اليمنيين اليوم للجزائر ولالتحام ولد علي بقضيتهم الرياضية، هو حبٌ معجون بالوفاء. 

لقد شعر اليمني في تلك اللحظة أن دمه يجري في عروق هذا الجزائري، وأن دموع المدرب هي بلسمٌ يداوي جراح الكرة اليمنية.

 إنه عناق العروبة في أبهى تجلياته؛ حيث تلتقي حكمة اليمن بثورة الجزائر، لتصنعا معاً مجداً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

يا نور الدين ولد علي.. إن دموعك التي انهمرت في الدوحة لم تسقط على الأرض، بل سقطت في سويداء قلوبنا، وحُفظت في سجلات المجد اليمني كأغلى دمعة عربية ذُرفت من أجل هذا البلد. 

لقد أصبحت اليوم يمنياً بالهوى والانتماء، بقدر ما أنت جزائري بالأصل والدم.

إننا كيمنيين، نقف اليوم إجلالاً وتعظيماً لهذا الرجل ولهذا البلد العظيم (الجزائر)، ممتنين لكل قطرة عرق ودمع بذلها في سبيل إسعاد شعبنا. 

لقد أثبتت هذه الملحمة أن الأوطان لا تُبنى بالخطط الفنية فحسب، بل بالقلوب النابضة بالصدق والوفاء.

ستذهب اليمن إلى كأس آسيا 2027، ليس فقط بطموح اللاعبين، بل بروح الجزائر وبوعاء الدموع الغالية التي سكبها "ولد علي"

 لتظل الشاهد الحي على أن العروبة إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. وبالدموع الغالية.