من فوضى 2011 إلى نفق الانقلاب.. كيف تحولت وعود التغيير إلى فخ لتمزيق اليمن؟
لم يكن يدور في خلد المواطن اليمني وهو يرقب التغيرات السياسية العاصفة قبل عقد ونصف من الزمن أن بلاده تقف على شفا جرف هار سينتهي بها إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في التاريخ الحديث.
إن المتأمل في مسار الأحداث والسيرورات التاريخية التي عصفت بالبلاد يدرك أن لحظة الانكسار الحقيقية بدأت من ذلك المنعطف الذي أُطلق عليه زيفاً مسار التغيير في عام 2011، والذي لم يكن في حقيقته سوى شرارة الفوضى التي التهمت مؤسسات الدولة، وقوضت ركائز الاستقرار، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام التدخلات الخارجية والمشاريع الطائفية السلالية التي توجت بانقلاب المليشيات الحوثية على التوافق الوطني وسيطرتها بالقوة العسكرية على العاصمة صنعاء في سبتمبر من عام 2014.
لقد تشابكت في المشهد اليمني عوامل الهدم الداخلي مع المؤامرات الإقليمية لينتج عنها واقع مأساوي تمزقت فيه عرى الوحدة الوطنية وتلاشت معه ملامح الدولة المركزية القوية لصالح كانتونات مشظاة وميليشيات مسلحة تقتات على جراح المواطنين وآلامهم.
بداية التصدع
مثلت أحداث 2011 نقطة التحول الدراماتيكية التي قادت اليمن نحو نفق مظلم لم يخرج منه حتى اليوم، حيث ركبت قوى سياسية وحزبية تصفية الحسابات الضيقة موجة التطلعات الشعبية، وحولتها إلى ساحة للفوضى المنظمة التي استهدفت بالدرجة الأولى هيبة الدولة ومؤسساتها السيادية والعسكرية.
لقد تعرضت المؤسسة العسكرية والأمنية التي كانت صمام الأمان للبلاد وللوحدة الوطنية لعملية تفكيك ممنهجة تحت مسميات الهيكلة والتغيير، مما أضعف قدرتها على مواجهة المهددات الأمنية العابرة للحدود والجماعات المتمردة الخارجة عن القانون.
وفي تلك الأجواء المشحونة بالانقسامات والخطابات التحريضية، تراجعت سلطة القانون وارتفعت أصوات المناكفات السياسية على حساب المصلحة الوطنية العليا، مما وفر بيئة مثالية للجماعات المتطرفة والمليشيات الطائفية لترتيب صفوفها وتوسيع نفوذها مستغلة غياب الدولة وانشغال النخب السياسية باقتسام الغنائم والمناصب في العاصمة صنعاء، وهو ما جعل البلاد لقمة سائغة للمتربصين بأمنها واستقرارها.
مؤامرة إسقاط العاصمة
عندما تهاوت حصون الدولة في المحافظات الشمالية واحداً تلو الآخر نتيجة التواطؤ والضعف الذي خلفته أحداث 2011، استغلت المليشيات الحوثية المدعومة من إيران هذا الفراغ الاستراتيجي القاتل لتشن حرباً توسعية انطلقت من معاقلها في صعدة وصولاً إلى عمران ومن ثم اجتياح العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014.
إن هذا الانقلاب المشؤوم لم يكن مجرد تغيير في سلطة الحكم بل كان انقلاباً جذرياً على الهوية الوطنية والنظام الجمهوري وقيم الوحدة والحرية التي ناضل من أجلها اليمنيون لعقود طويلة.
لقد مارست المليشيات الحوثية فور دخولها صنعاء سياسة التنكيل بالخصوم السياسيين، واقتحام المؤسسات الحكومية والخاصة، ونهب معسكرات الجيش ومخازن السلاح الاستراتيجي، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مشروعها الطائفي الضيق، مما أدى إلى انهيار العملية السياسية برمتها ودخول البلاد في أتون حرب شاملة وممتدة أتت على الأخضر واليابس.
انقسام المؤسسات السيادية
أدى الانقلاب الحوثي وما تلاه من حرب مدمرة إلى تمزيق البنية المؤسسية والاقتصادية للجمهورية اليمنية بشكل غير مسبوق في تاريخها المعاصر، حيث تفرعت الدولة المفترضة إلى سلطات أمر واقع متعددة وولاءات جغرافية ومناطقية متباينة.
وقد تجلى هذا الانهيار بأوضح صوره في انقسام البنك المركزي اليمني وما ترتب عليه من وجود سياستين ماليتين متناقضتين وعملتين وطنيتين بقيم شرائية متفاوتة، مما تسبب في شلل تام للحركة التجارية وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية والمشتقات النفطية.
كما أدى توقف صرف مرتبات موظفي الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى إفقار ملايين الأسر وتحويل الشريحة الأوسع من الطبقة الوسطى إلى حافة المجاعة، في وقت انتعشت فيه اقتصاديات السوق السوداء وتعاظمت ثروات أمراء الحرب الذين يتاجرون بأقوات المواطنين ويمارسون الجبايات غير القانونية تحت مسميات دينية ومجهود حربي لا ينتهي.
تشظي الهوية الجامعة
إن الخطر الأكبر الذي يهدد كيان اليمن اليوم ليس فقط دمار البنية التحتية بل ذلك الشرخ الاجتماعي العميق الذي أصاب النسيج الوطني في مقتل نتيجة الممارسات التدميرية للمليشيات الانقلابية والقوى المستفيدة من استمرار الحرب.
لقد عملت المليشيات الحوثية على تجريف الهوية اليمنية السبئية الحميرية الجامعة واستبدالها بثقافة طائفية دخيلة تقوم على فرز المجتمع إلى طبقات وفئات وتكريس قيم التبعية والولاء الأعمى للمشروع الإيراني في المنطقة.
وفي المقابل، أدى ضعف الحكومة الشرعية وتراجع أدائها إلى انتعاش المشاريع والمطالب الانفصالية والمناطقية في جنوب البلاد وشرقها، حيث بات الحديث عن الهوية اليمنية الواحدة تهمة في بعض المناطق، وتحولت الوحدة المباركة التي كانت مفخرة اليمنيين وإنجازهم الأبرز في القرن العشرين إلى ضحية للممارسات الإقصائية والتعبئة الخاطئة التي عقبت أحداث عام 2011 والانقلاب الحوثي.
المأساة الإنسانية الكبرى
على مدار السنوات الماضية من الحرب المشتعلة، تحولت الساحة اليمنية إلى مسرح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، يدفع ثمنها المواطن اليمني البسيط من دمه وقوته ومستقبل أبنائه.
وتشير التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية إلى أن اليمن يمر بأسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم، حيث يفتقر أكثر من ثلثي السكان إلى الأمن الغذائي والرعاية الصحية الأساسية ومياه الشرب النظيفة.
لقد تسببت الحرب في انهيار المنظومة الصحية وانتشار الأوبئة الفتاكة مثل الكوليرا وحمى الضنك، فضلاً عن خروج آلاف المدارس والمنشآت التعليمية عن الخدمة مما أنتج جيلاً كاملاً من الأطفال المحرومين من التعليم والمعرضين لخطر التجنيد والتحريض العقائدي من قبل جماعات العنف والمليشيات المسلحة التي لا ترى في الإنسان اليمني سوى وقود لمعاركها العبثية.
أوهام التغيير السلمي
يكشف الواقع الراهن بوضوح زيف الشعارات البراقة التي رفعت في ساحات الفوضى عام 2011، حيث تبخرت وعود الدولة المدنية الحديثة والرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية المزعومة، ليحل محلها الخراب والدمار والفقر المدقع والارتهان للخارج.
إن النخب الحزبية الهرمة والسياسية التي قادت ذلك الحراك غير المحسوب وتماهت مع مشاريع إسقاط الدولة تتحمل مسؤولية أخلاقية وتاريخية كبرى عما آلت إليه الأوضاع، كونها قدمت مصالحها الذاتية والحزبية الضيقة على أمن واستقرار الوطن، وظنت واهمة أن هدم أركان الدولة وتفكيك مؤسساتها يمكن أن يبني مستقبلاً أفضل، لتجد نفسها في نهاية المطاف مشردة في العواصم والشتات، بينما يرزح الشعب اليمني في الداخل تحت وطأة المعاناة والحصار والقمع الفكري والجسدي الذي تمارسه قوى الكهنوت والظلام الاستبدادية.
آفاق المستقبل المجهول
يبقى السؤال الكبير والمقلق المطروح في كافة الأوساط السياسية والشعبية يدور حول كيفية الخروج من هذا المأزق التاريخي المعقد واستعادة روح الدولة والوحدة اليمنية المغدورة. إن المعطيات الحالية تشير إلى أن أي حل سياسي أو عسكري يبدأ من إنهاء الانقلاب الحوثي ونزع سلاحه وبسط سيطرة الدولة على كامل التراب الوطني وإجراء عملية جراحية للأزمة اليمنية لمنع إنتاج جولات جديدة من الصراع.
إن اليمنيين اليوم بحاجة ماسة إلى مراجعة نقدية شجاعة لكافة الإخفاقات السابقة، والالتفاف حول مشروع وطني جامع يتجاوز مخلفات أحداث 2011 الكارثية، ويعيد الاعتبار للنظام الجمهوري الديمقراطي ولثوابت الوحدة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية في الثروة والسلطة بعيداً عن أوهام الحق الإلهي أو النزعات الانفصالية والمناطقية الضيقة التي لا تخدم سوى أعداء اليمن التاريخيين.
أخيراً، يمكن القول إن مسيرة تهاوي الأحلام اليمنية بالدولة والوحدة تقدم درساً بليغاً وقاسياً للأجيال القادمة بأن الأوطان لا تبنى بالفوضى والتحريض، وأن إسقاط مؤسسات الدولة الشرعية تحت أي مبرر هو تدمير للذات وفتح لبوابات الجحيم التي يصعب إغلاقها.
إن استعادة اليمن لمكانته التاريخية وعمقه العربي والإسلامي يتطلب تضافر جهود كافة الشرفاء من أبناء الوطن، بدعم ومساندة حقيقية من الأشقاء في المحيط العربي، لمواجهة المشروع التوسعي الإيراني وتفكيك بنية الانقلاب الطائفي، والبدء في مرحلة إعادة الإعمار وبناء الإنسان على أسس من العلم والمعرفة والولاء المطلق لتراب اليمن الواحد الموحد من ميدي إلى المهرة ومن صعدة إلى عدن.