سيناريو يتكرر ومسميات تتعدد.. "القافلة العيدية" حلقة في سلسلة النهب الحوثي الممنهج للمواطنين والتجار
مع اقتراب كل موسم ديني أو مناسبة اجتماعية، تتجدد معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، وهذه المرة تأتي تحت مسمى لافت يحمل طابعاً احتفالياً لمناسبة دينية عيد الأضحى المبارك تحت مسمى “القافلة العيدية”، بينما يخفي في جوهره حملة جبايات إجبارية واسعة النطاق تستهدف مختلف فئات المجتمع.
هذه الحملة، وفق مصادر محلية في عدد من المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا منها صنعاء وريمة وذمار وإب والحديدة ووفق شهادات متطابقة، ليست مجرد مبادرة تطوعية كما تُسوّق لها المليشيا، بل نظام إلزامي يُدار بأساليب ضغط متعددة، تُحوّل الفرحة المفترضة بالعيد إلى عبء مالي ثقيل على المواطنين.
تسعى مليشيات الحوثي من خلال هذه الحملة إلى حشد الموارد المالية والعينية لدعم مقاتليها، مستخدمة خطاباً طائفياً يربط بين الواجب الديني والمجهود الحربي، في محاولة لإضفاء شرعية اجتماعية على عمليات الجباية.
غير أن الواقع، كما يصفه المواطنون في مقدمتهم التجار يعكس صورة مختلفة تماماً حيث تتحول هذه الدعوات إلى أوامر غير مكتوبة، يُجبر المواطن على الامتثال لها تجنباً لأي تبعات محتملة.
شبكات محلية لإدارة الجبايات وتوسيع نطاقها
تعتمد المليشيا على منظومة محلية معقدة لإدارة هذه الحملات، تبدأ من المشرفين الميدانيين وصولاً إلى عُقّال الحارات، الذين يلعبون دور الوسيط بين السلطة الحوثية الفعلية والمجتمع.
هؤلاء يتولون مهمة توزيع كشوفات بالمبالغ المطلوبة أو تحديد حصص عينية، تشمل المواد الغذائية والملابس وحتى المواشي في بعض المناطق الريفية.
وتُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً مجموعات واتساب كأداة رئيسية لنشر التعليمات والتذكير بالمساهمات المطلوبة، حيث يتم تداول رسائل تحمل طابعاً دينياً وتحفيزياً لكنها في الواقع تحمل بين سطورها إلزاماً واضحاً.
وفي حال التأخر أو الامتناع، تبدأ مرحلة أخرى من الضغوط، قد تشمل الزيارات المباشرة أو التهديد غير المباشر بفرض عقوبات اجتماعية أو إدارية.
هذا النمط من الإدارة لا يترك مساحة حقيقية للاختيار، بل يخلق بيئة قسرية تُجبر الأفراد على الامتثال، حتى وإن كان ذلك على حساب احتياجاتهم الأساسية.
تأثيرات اقتصادية خانقة على المواطنين
تأتي هذه الحملة في وقت يعاني فيه اليمنيون من أوضاع معيشية هي الأسوأ منذ سنوات، حيث تتآكل القدرة الشرائية بشكل مستمر، وتتصاعد معدلات الفقر والبطالة.
في هذا السياق، تمثل الجبايات الحوثية الإضافية ضربة قاسية للأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية.
يقول أحد سكان صنعاء إن المبلغ المطلوب منه للمساهمة في “القافلة العيدية” يعادل نصف دخله الشهري، وهو ما اضطره إلى الاستدانة لتجنب أي مشكلات.
هذه الحالة ليست استثناءً، بل نموذج يتكرر في مختلف المناطق، حيث يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الدفع رغم الضائقة، أو مواجهة تبعات الرفض.
ولا تقتصر الأعباء على الأفراد، بل تمتد إلى القطاع التجاري، حيث يُفرض على التجار تقديم مبالغ أكبر أو توفير سلع معينة، ما يؤدي إلى رفع الأسعار لتعويض الخسائر، وهو ما ينعكس بدوره على المستهلك النهائي، في حلقة تضخم متواصلة.
الجبايات كأداة تمويل بديلة في ظل تراجع الإيرادات
يرى مراقبون أن تكثيف هذه الحملات يعكس تحولاً في استراتيجية التمويل لدى المليشيا التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الموارد المحلية، في ظل تراجع مصادر الإيرادات الأخرى.
هذا التحول يضع المجتمع في موقع الممول الرئيسي، دون أي إطار قانوني أو رقابي يحدد حجم هذه الجبايات أو أوجه صرفها.
ويشير محللون اقتصاديون إلى أن هذا النمط من التمويل غير المستدام يفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث يؤدي إلى سحب السيولة من السوق، وتقليص القدرة الاستهلاكية، ما ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي بشكل عام.
كما أنه يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والتجار، الذين يواجهون بيئة عمل غير مستقرة ومليئة بالمخاطر.
البعد الاجتماعي والنفسي للجبايات القسرية
لا تقتصر آثار هذه الحملات على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والنفسي للمجتمع. إذ يشعر كثير من المواطنين بأنهم يعيشون تحت ضغط دائم، حيث تتحول كل مناسبة إلى مصدر قلق بدلاً من أن تكون فرصة للفرح.
كما أن استخدام الخطاب الديني لتبرير الجبايات يخلق حالة من التوتر الداخلي لدى الأفراد، الذين يجدون أنفسهم بين قناعاتهم الشخصية وضغوط الواقع.
هذا التناقض ينعكس على العلاقات الاجتماعية، حيث تتزايد حالات الاحتقان والصمت القسري، في ظل غياب أي مساحة للتعبير عن الرفض.
تكرار السيناريو وتعدد المسميات
“القافلة العيدية” ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الحملات الحوثية التي تحمل مسميات مختلفة، لكنها تتشابه في المضمون والهدف.
فمن دعم المولد النبوي إلى تمويل الجبهات والقوافل الغذائية، تتغير الأسماء بينما يبقى الأسلوب واحداً: فرض جبايات والتزامات مالية على المجتمع بالإكراه.
هذا التكرار يعزز من شعور المواطنين بأنهم أمام سياسة ممنهجة، تهدف إلى استنزاف مواردهم بشكل مستمر، دون أي اعتبار لظروفهم أو احتياجاتهم. كما أنه يطرح تساؤلات حول مستقبل هذه الممارسات، وإمكانية استمرارها في ظل التدهور المتسارع للأوضاع الاقتصادية.
انعكاسات إنسانية في ظل أزمة مركبة
تتداخل هذه الجبايات مع أزمة إنسانية معقدة يعيشها اليمن، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
وفي هذا السياق، فإن أي استنزاف إضافي للموارد المحلية يزيد من هشاشة الوضع، ويقوض قدرة الأسر على الصمود.
كما أن تحويل الموارد من الاستهلاك الأساسي إلى تمويل أنشطة غير إنتاجية يضعف من فرص التعافي الاقتصادي، ويعمّق الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات. هذا الواقع يهدد بتوسيع دائرة الفقر، ويدفع المزيد من الأسر إلى حافة الانهيار.
خاتمة تعكس واقعاً مفتوحاً على مزيد من التعقيد
في ظل غياب أي مؤشرات على تراجع هذه الحملات، يبدو أن حملات دعم القافلة العيدية الحوثية تمثل نموذجاً متجدداً من عام لآخر وأكثر حزماً والزاماً في سياسات الجباية التي تعتمدها مليشيا الحوثي، والتي قد تتكرر بأشكال مختلفة في المستقبل.
وبينما تستمر هذه الممارسات، يبقى المواطن اليمني الحلقة الأضعف، الذي يتحمل وحده كلفة صراع متعدد الأبعاد، يتجاوز قدرته على الاحتمال.
هذا الواقع يضع المجتمع أمام تحديات متزايدة، تتطلب حلولاً تتجاوز المعالجات المؤقتة، نحو مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لحقوق المواطنين، وتضع حداً لسياسات الاستنزاف التي تهدد ما تبقى من استقرار اقتصادي واجتماعي في البلاد.